ماذا كسب أردوغان في الاستفتاء المثير؟

تم نشره في الأربعاء 19 نيسان / أبريل 2017. 12:09 صباحاً
  • الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بعد الإدلاء بصوته في الاستفتاء الأخير - (أرشيفية)

تحليل – (ستراتفور) 16/4/2017

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

في استفتاء مثير يحبس الأنفاس بوضوح، ومع كل التحديات التي شكلتها المعارضة، كسب الحزب التركي الحاكم، حزب العدالة والتنمية، والرئيس (وزعيم الحزب الآن) رجب طيب أردوغان، انتصاراً بهامش ضئيل جداً، في استفتاء حاسم سيمكِّن الرئاسة التركية بشكل كبير. وقد أدلى نحو 48 مليون مواطن من أصل 55 مليوناً مؤهلين للاقتراع، بأصواتهم حول مجموعة من 18 تعديلاً دستورياً، والتي ستغيّر بشكل أساسي طبيعة الحكومة التركية، وستؤثر في الانتخابات المقبلة المقررة في العام 2019. ومع عد معظم الأصوات تقريباً، جمع التصويت بـ"نعم" نسبة 51.34 في المائة من مجموع الأصوات، بينما جاء التصويت بـ"لا" قريباً وراء ذلك بنسبة 48.66 في المائة من الأصوات، وفقاً لوكالة الأناضول الحكومية للأنباء. وعلى الرغم من أن حزب المعارضة الرئيسي، حزب الشعب الجمهوري، لا يعترف بنتائج التصويت، ويطعن في ما لا يقل عن 37 في المائة من الأصوات التي تم إحصاؤها، فإن حزب العدالة والتنمية يعلن النصر. ومع ذلك، أظهر التصويت فقط مدى الاستقطاب الذي أصبحت عليه القاعدة الانتخابية في تركيا: فقد انتزع أردوغان انتصاراً على الرغم من خسارة المدن الثلاث الكبرى في الاقتراع -إسطنبول، وأنقرة، وإزمير. ويشكل التقدم الضئيل الذي أحرزه حزب العدالة والتنمية سبباً كبيراً يجعل أردوغان يشعر بأنه مضطر للجوء إلى تدابير استثنائية لتعزيز سلطته.
أصبحت الاستفتاءات الدستورية شائعة كثيراً في التاريخ التركي الحديث، مع إجراء ستة استفتاءات كبيرة منذ العام 1961. وكان الاتجاه إلى الحرب بين السلطات المتصارعة على البرلمان، والسلطة القضائية، والسلطة التنفيذية والجيش، صراعاً قائماً على مدى عقود في تركيا. لكن استفتاء 16 نيسان (أبريل) يسمح بإجراء التغييرات الأكثر تطرفاً لتقاسم السلطة بين الفرعين التنفيذي والتشريعي؛ حيث يُسند صلاحيات إضافية للرئيس بطريقة لم يسبق لها مثيل في تركيا. وجاء هذا التصويت نتيجة لجهود حثيثة بذلها أردوغان على مدى سنوات من أجل إضفاء الطابع الرسمي على صلاحيات كان يمارسها مسبقاً كرئيس. وسوف يستوعب الرئيس سلطات منصب رئيس الوزراء الذي ألغي الآن -والذي كان الأقوى تاريخياً بين المنصبين- وسوف يتمكن الرئيس من تفادي القواعد غير الحزبية ويقود حزبه السياسي الخاص، ويحل البرلمان، ويختار القضاة الذين كان يختارهم نظراؤهم قبل ذلك، وإن يعلن حالة الطوارئ، ويسنَّ بعض القوانين بموجب مراسيم. وبشكل عام، سوف يتمتع الفرعان، التشريعي والقضائي في الحكومة التركية، بقدر أقل من الرقابة على الرئاسة. كما ستسمح التغييرات لأردوغان أيضاً بأن يترشح لفترتين إضافيتين، مما يتيح له الإمكانية لأن يحكم حتى العام 2029.
من غير المألوف إلى حد كبير أن يتحقق نصر انتخابي في تركيا من دون كسب المدن الأكبر. وكانت كل من إسطنبول وأنقرة دائماً محسوبتين في معسكر حزب العدالة والتنمية بطريقة موثوقة في كل الانتخابات الأخيرة تقريباً. ووفقاً للنتائج التي وردت من وكالة الأناضول للأنباء التي تديرها الدولة، فإن التصويت بـ"لا" في إسطنبول جاء متفوقاً بنسبة 51.34 في المائة، في مقابل 48.66 في المائة؛ وفي أنقرة بنسبة 51.14 في مقابل 48.86 في المائة من الذين صوتوا بـ"نعم"؛ وفي إزمير، صوتت نسبة 68.78 في المائة بـ"لا"، في مقابل 31.22 في المائة صوتوا بـ"نعم". وكان التصويت بـ"لا" متقدماً على نحو غير مستغرب في المناطق ذات الأغلبية الكردية في جنوب شرق تركيا، لكن الهامش جاء أصغر من المتوقع. ففي مدينة أنطاليا المطلة على البحر المتوسط، كانت النتائج كما يلي: صوت 59.06 في المائة بـ"لا"، في مقابل 40.94 في المائة صوتوا بـ"نعم"؛ وفي مرسين، صوت 64.01 بـ"لا" في مقابل 35.99 في المائة صوتوا بـ"نعم". وفي الأثناء، صوت ما نسبتهم 59.06 في المائة من الذين صوتوا من خارج البلاد بـ"نعم"، بينما صوتت نسبة 40.94 في المائة منهم بـ"لا"، وفقاً لوكالة الأناضول.
في حين يشكك نشطاء حملات "لا" في قرار المجلس الانتخابي التركي احتساب الأصوات في الصناديق غير المختومة، فقد كانت هذه ممارسة شائعة ومتكررة في الانتخابات التركية الأخيرة. وتشكك الأحزاب التي تؤيد "لا"، ومن بينها رئيس حزب الشعب الجمهوري، علناً بشرعية الانتخابات. ونظراً لحالة الطوارئ المعمول بها في البلاد منذ المحاولة الانقلابية في شهر تموز (يوليو) الماضي، شاعت مخاوف في أوساط أنصار معسكر "لا" من أن تستخدم الحكومة نفوذها الدستوري والمؤسسي لتأمين النصر في استفتاء 16 نيسان (أبريل). وفي حال شعر الحزب الحاكم بالحاجة إلى مزيد من الحزم لقمع المعارضة للنتائج، فإنه يستطيع أن يستفيد من حالة الطوارئ القائمة. ومن المتوقع أن يقرر مجلس الأمن القومي التركي ما إذا كان سيمدد حالة الطوارئ بعد وقت قصير من انتهاء الاستفتاء. وقد تم تمديد حالة الطوارئ في زيادات لمدة ثلاثة أشهر منذ تموز (يوليو) الماضي.
لا شك في أن تحول تركيا نحو نظام أكثر سلطوية في ظل أردوغان سيستدعي المزيد من الإدانة من الاتحاد الأوروبي، لكن القوى الأوروبية تدرك أيضاً أنها ما تزال بحاجة إلى تعاون تركيا من أجل احتواء حركة عبور اللاجئين وضبط روسيا. وكان رئيس الوزراء التركي، بينالي يلديريم، قال في الأسبوع الماضي إن الحكومة سوف تعيد النظر في موضوع تحرير تأشيرة الاتحاد الأوروبي بالنسبة للأتراك، المتوقف الآن، كما هدد بإمكانية أن تعيد حكومة تركيا بعد الاستفتاء تقييم اتفاق اللاجئين المبرم مع الكتلة الأوروبية الشريكة. وسوف يعني كسب حزب العدالة والتنمية المزيد من القوة في أعقاب الاستفتاء حدوث المزيد من الاحتكاك في مفاوضات تركيا التي تعتورها المشاكل مسبقاً مع الاتحاد الأوروبي. أما إذا كانت الظروف ستتحسن وتكسب حركة عبور المهاجرين تصاعداً، فيشكل ذلك مصدر قلق بالغا وملحا يترتب على الاتحاد الأوروبي إدارته مع تركيا.
في حين يشير التصويت إلى تغيُّر جذري في تركيا على الصعيد الداخلي في المدى الطويل، فإن السياسة الخارجية التركية ستبقى على حالها بلا تغيير إلى حد كبير. وبغض النظر عن تحقيق الفوز أو معاناة الهزيمة في الاستفتاء، فإن تركيا ستستمر في تعميق تركيزها وتواجدها في شمال العراق وسورية، في جهد يرمي إلى احتواء النزعة التوسعية الكردية، وخوض المواجهة مع إيران في معركة أوسع بالوكالة.

*نشر هذا التحليل تحت عنوان: Turkey's\ President Wins Sweeping Powers in Cliffhanger Vote

التعليق