الإرهاب يبدأ كفكرة في عقول البشر

تم نشره في الثلاثاء 18 نيسان / أبريل 2017. 11:00 مـساءً

 د. سعد الدين إبراهيم

حينما أنشأت دول العالم الأمم المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية، خصّت إحدى وكالاتها لكي تتولى التعامل الإنساني الرشيد مع عقول البشر ـ وهي منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة، واختصارها اليونسكو (UNESCO) United Nations Education Science, and Cultural Organization . وتُقرأ العبارة المنقوشة على مدخل مقرّها في باريس: "الحرب تبدأ كفكرة في عقول البشر، وكذلك السلام".
والعبارة لا تُلخص فقط أهداف تلك المنظمة الدولية، بل هي تُلخص في الواقع كل ما انتهت إليه العلوم الاجتماعية في القرنين السابقين لإنشاء المنظمة. فالإنسان لا يولد ملاكاً، ولا شيطاناً. ولكنه يولد كقطعة عجين أو صلصال، قابلة للتشكيل والصياغة، فينمو تدريجياً لإنسان ناطق، ويتعلم المشي، وعادات أسرته، ثم مجتمعه الأكبر، من خلال الأقارب ورفاق اللعب، ثم رفاق الدراسة إذا قُضي له أن يذهب إلى المدرسة، وهكذا حتى يشب عن الطوق، شاباً ثم يافعاً ثم رجلاً.
ويقول لنا عُلماء النفس والاجتماع إن المرحلة الحرجة في نمو الشخصية هي تلك المُمتدة من الخامسة إلى الخامسة عشرة. فتلك هي المرحلة التي تتكون فيها النزعات والقيم والمهارات الشخصية، الجُسمانية والذهنية والاجتماعية.
وتلك السنوات العشر الحرجة هي التي تحرص فيها جماعة الإخوان المسلمين أو أي جماعة سياسية عقائدية أخرى على استمالة الصبية والشباب فيها، وغرس أفكار ومُعتقدات ومُمارسات الجماعة فيها. وقد تتفاوت الحركات الاجتماعية السياسية في برامجها وقدراتها التثقيفية والتربوية. ولكنها جميعاً تحرص على الصيانة المُبكرة لأعضائها.
جماعة الإخوان المسلمين فعلت هذا الأمر. كان المؤسس حسن البنا نفسه مُعلماً تربوياً، حرص منذ بداية دعوته في مدينة الإسماعيلية في منتصف عشرينيات القرن العشرين على هذا النهج في استمالة تلاميذه وتجنيدهم وإعطائهم الشعور بأنهم سيستعيدون الفردوس الذي كان في عهد الرسول "صلى الله عليه وسلم" وخُلفائه الراشدين. وكانت شعارات الجماعة وهتافاتها من قبيل الله أكبر ولله الحمد، الرسول زعيمنا، والإسلام ديننا، والموت في سبيل الله أغلى أمانينا.
ويتم تلقين أعضاء الجماعة تاريخاً إسلامياً انتقائياً، لا يحتوي إلا على كل ما هو إيجابي وجذاب ومُفرط في المثالية. كما يتم في فترة التجنيد تلك عزل الشاب عن كل ما يمكن أن يُقدم له بدائل مُخالفة أو مُختلفة. ومن ذلك حضه على اجتناب الآخرين من غير أعضاء الجماعة، وشغل كل وقته، إما باستذكار دروسه، أو أدبيات الجماعة، أو بأنشطة الجماعة نفسها. ومن ذلك أن الجماعة تُهيئ له فُرصاً للرحلات والأنشطة الرياضية والتدريب العسكري، وقراءة أدبيات الجماعة والصلاة مع الجماعة والصوم مع الجماعة. وباختصار يتم تقليص الوقت الذي يمكن أن يقضيه بعيداً عن الجماعة، بما في ذلك أسرته وأقاربه، اللهم إلا إذا كانوا هم أنفسهم قد تم تجنيدهم من قبل.
وهكذا يصبح الشاب جاهزاً لنُصرة الإسلام. واستعادة الفردوس الذي فقده المسلمون، منذ حادوا عن طريق المصطفى (الرسول)، وأهملوا شرع الله، واستغرقتهم الحياة الدنيا!
والمسلم الحق، على هذا النحو، يؤمن إيماناً راسخاً بأنه فائز في كل الأحوال. فدولة الإسلام في هذه الحياة ستكون الفردوس الموعود. فإذا مات أو استشهد في سبيلها فإن فردوساً أفضل ينتظره في الآخرة، حيث الجنّات التي تجري من تحتها الأنهار، وحيث الجواري الحِسان، والإشباع من كل الملذات التي حُرم منها في الحياة الدُنيا.
فلا غرابة إذن، أن تجد هذه الدعوات من يتعلق بها، ويكون مُستعداً للتضحية من أجلها. ومن هنا وفقط يمكن استيعاب رغبة بعض الشباب، بل وتسابقهم من أجل نيل شرف الشهادة والاستشهاد.
وعودة إلى ما بدأنا به حول شِعار اليونسكو، وهو أنه كما أن الحرب تبدأ كأفكار في عقول البشر، فكذلك السلام. وقد رأينا أن نفس الشيء ينطبق على الإرهاب، وعلى كراهية الآخر المُختلف. فتفجير الكنائس، وكذلك الاعتداء على الشُرطة وجنود الجيش، لا يتم تنفيذها إلا بعناصر شبابية تم تجنيدها وغسيل مُخّها على النحو الذي يجعلها مُستعدة ومُهيئة للهجوم على أعداء الله وأعداء الإسلام وأعداء الرسول. أي كل من لا يرى رؤيته أو يتبع جماعته.
ولأن كل شيء يبدأ كفكرة في عقول البشر، فلا بد لمُقاومة التطرف والإرهاب، من العودة إلى المُربع الأول، وهو التنشئة الاجتماعية المُغايرة للتنشئة الجهادية التكفيرية، التي تزدري المُخالفين في الدين أو في المذهب أو في الطائفة.
ومنذ عشرين عاماً اقتنع وزير مستنير للتربية والتعليم، بما طرحناه أعلاه، وهو الدكتور الطبيب حسين كامل بهاء الدين، رحمه الله. فطلب بالفعل من المُختصين في المناهج في وزارته أن يقوموا بتنقية الكُتب المدرسية من كل ما يحض على كراهية الآخر المُختلف، حتى يتعلم النشء قبول التنوع والتعدد والاختلاف. وكان أن شن عليه الإخوان المسلمون حملة شعواء، من خلال أعضائهم في مجلس الشعب. وفي غياب الدعم للوزير من رئيس المجلس ومن رئيس الجمهورية وقتها، اضطر د. حسين كامل بهاء الدين إلى سحب مُبادرته والتوقف عن مشروعه.
إن ما حدث في كنيستي طنطا والإسكندرية من تفجيرات انتحارية، هو الحصاد المُر لخذلان ذلك الوزير المُستنير رحمه الله. فلا حول ولا قوة إلا بالله.
وعلى الله قصد السبيل.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »رائع (ادكمال غرايبة)

    الأربعاء 19 نيسان / أبريل 2017.
    مقالة رائعة ولكن شعب اقرأ لا يريد ان يقرأ