الصوت والغضب: القنابل لن تنجز المهمة في أفغانستان

تم نشره في الأربعاء 19 نيسان / أبريل 2017. 11:00 مـساءً
  • القنبلة الأميركية التي تدعى "أم كل القنابل" من النوع الذي استخدم مؤخراً في أفغانستان - (أرشيفية)

ماكس بوت* -

(نيويورك تايمز) 14/4/2017

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

عندما قرأت عن إسقاط قوات الولايات المتحدة ثاني أكبر قنبلة غير نووية في ترسانتها -GBU-43/B التي تزن 21.000 باوند (مواب)- في شرق أفغانستان، تذكرت ما قاله جون بول فان، ضابط الجيش الأسطوري والمستشار المدني خلال حرب فيتنام، عن الطريقة الصحيحة لخوض حرب العصابات: "هذه حرب سياسية، وهي تدعو إلى التمييز في القتل. سيكون أفضل سلاح للقتل هو سكين، لكنني أخشى أننا لا نستطيع أن نفعل الأمر بهذه الطريقة. أسوأ الأسلحة هي طائرة. والثانية في السوء هي المدفعية. وباستثناء السكين، فإن أفضل طريقة هي البندقية -إنك تعرف من هو الذي تقتله".
ما كان يقوله هذا المقاتل المخضرم في حرب العصابات، هو أن الحرب تتطلب معايرة دقيقة لاستخدام العنف، خشية أن تؤدي القوة النارية المفرطة إلى قتل الكثير من الأبرياء ودفع المزيد من المجندين إلى معسكر العدو. وكانت هذه بالتحديد هي المشكلة التي واجهتها قوات الولايات المتحدة (وقبلها القوات الفرنسية) في فيتنام، والتي واجهها الروس في أفغانستان.
من المؤكد أنها ليست هناك أدلة على أي أضرار جانبية نجمت عن استخدام "أم كل القنابل" في أفغانستان مؤخراً. وتشير التقارير الأولية إلى أن القنبلة ربما قتلت 36 من مقاتلي "داعش" وهدمت بعض شبكات الأنفاق. وهي نتائج ينبغي الاحتفاء بها. وإذا ما تسبب ذلك في تخويف كوريا الشمالية أو إيران أيضاً بهذا العرض المذهل لقوة النيران، فسيكون الأمر أفضل بكثير.
ولكن، في حين أن من المنطقي تخفيف قواعد الاشتباك المفرطة التي كانت قد تفرضها إدارة أوباما، فإن القيام بذلك ينطوي على مخاطر. وقد جاء التذكير بذلك من سورية؛ حیث قتلت غارة جویة أمیرکیة أخیرة عن طریق الخطأ 18 مقاتلاً من القوات السورية الصديقة. وليس هذا الحادث شذوذاً؛ فكما يلاحظ زميلي في مجلس العلاقات الخارجية، ميكا زينكو، تصاعدت الضربات الجوية الأميركية والإصابات بين المدنيين منذ تولي إدارة ترامب مقاليد الأمر في البيت الأبيض.
لن يكون الرئيس ترامب، الذي شن حملته الانخابية على أساس الوعد بضرب مقاتلي "داعش" بشدة، قلقاً بشأن ذلك؛ وفي واقع الأمر، قال الرئيس إن استخدام "أم القنابل" كان "مهمة ناجحة جداً جداً"، وربما كان على حق، بالمعنى التكتيكي الضيق. ولكن، عندما يتعلق الأمر بالصورة الاستراتيجية الأكبر، سيكون من الأصوب لو أنه يقرأ الدليل الميداني لوحدات الجيش-البحرية الأميركيين لمكافحة التمرد للعام 2006، الذي شارك في تأليفه وزير دفاعه نفسه، والذي ينص على أن "عملية تقتل خمسة متمردين مسلحين ستكون ذات نتائج عكسية سيئة إذا كانت الأعراض الجانبية ستؤدي إلى تجنيد 50 متمرداً إضافيين".
بغض النظر عن احتمال وقوع أضرار جانبية، ثمة سبب أكبر لعدم جعل استخدام "أم القنابل" في أفغانستان سبباً للاحتفال وتبادل التهاني على نحو لا يليق: إنه استخدامها هو علامة على أن الحرب في أفغانستان لا تسير على ما يرام. سيكون نوع الحرب التي تصورها فان -باستخدام الأسلحة الصغيرة- ممكناً فقط إذا ظل مستوى التهديد دون عتبة معينة. وعندما يصبح العدو قوياً جداً، كما كان حاله في فيتنام، فإنه يصبح من الضروري عندئذٍ أن يتم استدعاء الضربات الجوية والمدفعية. وهذه ليست علامة على التقدم؛ إنها في واقع الأمر علامة على أن الوضع الأمني في أفغانستان يخرج عن نطاق السيطرة.
غني عن القول إن الوضع في أفغانستان لا يقترب من السوء الذي كان عليه الحال في فيتنام خلال الستينيات. فقوات طالبان ليست قوات الفييتكونغ، ولا تدعمها وحدات من جيش نظامي مثلما كان حال جيش فيتنام الشعبي. ومع ذلك، تم توجيه المسار في أفغانستان في الاتجاه الخاطئ منذ أن وضع الرئيس أوباما قبل فوات الأوان نهاية لزيادة عديد القوات، ثم قام بسحب معظم القوات الأميركية من هناك بحلول العام 2016.
في أوائل شباط (فبراير) قال الجنرال جون و. نيكولسون الابن، قائد القوة العسكرية الدولية فى أفغانستان، إن الحكومة تسيطر على حوالي ثلثي السكان فقط في أفغانستان. وكما يشير محلل شؤون الإرهاب، بيتر بيرغن، فإن هذا يعني أن طالبان إما "يسيطرون أو ينافسون"، على "نحو 10 ملايين شخص، وهو عدد يزيد على عدد السكان الذين كان يسيطر عليهم ’داعش‘ في سورية والعراق في فترة ذروة قوته خلال صيف العام 2014".
لا شك أن جماعة طالبان سيئون بما فيه الكفاية. ومن المقلق بالمقدار نفسه أيضاً أن تنظيم "داعش" يحرز تقدماً أيضاً في شرق أفغانستان. وفي حقيقة الأمر، أصبح تنظيم "داعش" راسخاً الآن إلى حد بعيد لأن الجيش الأفغاني لم يتمكن من التقدم إلى معقله في منطقة أشين بمقاطعة نانغارهار. ومن هنا جاء قرار إدارة ترامب إسقاط "أم القنابل". ولكن، كما يقول السيد بيرغن، كانت الولايات المتحدة قد أسقطت في العام 2001 قنبلة "ديزي كوتر" التي يبلغ وزنها 15 ألف رطل على مجمع تورا بورا القريب، لكنها فشلت مع ذلك في قتل أسامة بن لادن وغيره من كبار قادة تنظيم القاعدة. وقد يسبب استخدام مثل هذه الذخائر الهائلة انفجاراً كبيراً، لكنها لا تضمن القضاء على مقاتلي العدو المختبئين عميقاً تحت الأرض. وحتى لو أنها تمكنت من قتل المتمردين، فإنها لن تقتل التمرد في حد ذاته.
يتطلب تحقيق الانتصار في أي مكافحة للتمرد تحسين فعالية الحكومة، وتوفير الأمن لمدة أربع وعشرين ساعة على مدار سبعة أيام في الأسبوع للمناطق الريفية. وفي حالة أفغانستان، لا يمكن ببساطة تحقيق هذه الأهداف مع وجود 8.500 جندي فقط من قوات الولايات المتحدة لتساعد قوات الأمن الأفغانية المنهكة التي تعاني من خسائر فادحة وتفقد الأرض باطراد. وكان الجنرال نيكولسون قد طلب "بضعة آلاف" إضافية من المستشارين العسكريين، وإذا كانت إدارة ترامب تريد الحفاظ على مستوى الأمن الحالي، الضعيف، فسوف يتعين عليها، كحد أدنى، أن تعمد إلى تلبية طلبه. أما القنابل وحدها، مهما كانت كبيرة، فلن تستطيع أن تنجز المهمة.

*زميل رفيع في مجلس العلاقات الخارجية، ومؤلف الكتاب القادم "الطريق التي لم يسلكها أحد: إدوارد لانليد والمأساة الأميركية في فيتنام".
*نشر هذا المقال تحت عنوان: Sound and Fury

التعليق