دعاية عمياء

تم نشره في الخميس 20 نيسان / أبريل 2017. 11:00 مـساءً

معاريف

ليلاخ سيغان

20/4/2017

يا له من انتصار حلو: "النيويورك تايمز" نشرت ايضاحا لمقال مروان البرغوثي من بداية الاسبوع وأشارت الى أن الكاتب ليس فقط زعيما فلسطينيا وبرلمانيا، بل هو بالصدفة ايضا ادين بالقتل وبعضوية في منظمة إرهابية. واستغل نتنياهو وليبرمان الفرصة على الفور للرقص على "النصر" بدعوى أن "القول ان البرغوثي زعيم سياسي، هو كالقول ان الاسد طبيب أطفال". ولكن كالمعتاد لا يوجد هنا أي نصر، ولا يوجد هنا أي تعديل. يوجد هنا فقط دعاية.
عندما تختبئ الدعاية في زي الحقيقة، فالسخرية تحتفل: فالتصلب الزائد من اليمين يساعد الحملة الفلسطينية بقدر لا يقل عن الرقة الزائدة من اليسار، ونشر التعدي يتقزم مقابل الضرر الذي لحق جراء أقوال نزاعة إلى القوة وعديمة التفكير. وبدلا من السخرية من اضراب السجناء الفلسطينيين، فان القول بالذات ان إسرائيل ستحافظ دوما على نهج إنساني تجاه السجناء رغم كونهم إرهابيين سفلة كان يمكن له أن يكون أكثر ذكاء باضعاف. ولكن قادة اليمين يفضلون الاستمرار في نهج السخرية والتهديد، في ظل الادعاء بأن من يساهم في صورتنا السلبية هو فقط اليسار. في كل ما يتعلق بالمنطق من جهة والافعال من جهة اخرى، فان زعماء اليمين لا يختلفون حقا عن رواد اليسار. كل واحد ودعايته الضارة والعمياء.
الكل يريد أن يكون أخلاقيا، فقط خسارة أن أيا من الاطراف لا يتذكر كيفية عمل ذلك. فحقنة أخلاقية زائدة ليست افضل من تجاهل تام لمسألة الاخلاق. اليمين واثق أن إسرائيل هي أخلاقية بالنسبة للفلسطينيين/السوريين/اللبنانيين/الإيرانيين/اختر الجواب الصحيح، وعليه فلا معنى للبحث في هذا على الاطلاق. اما اليسار من جهته فمنشغل بتشويه في الاتجاه الاخر – نشر المقال الدعائي المغسول للبرغوثي ليس شاذا؛ اليسار المثقف الزائف ينشغل منذ زمن بتسويغ القتل والعنف من اجل الانسانية، في ظل تجاهل أن الإنسانية الليبرالية الاساسية قد دفنت منذ زمن بعيد تحت أفعال ليس بينها وبين الإنسانية شيء.
في توقيت مفارقة وصلت مؤخرا ايضا رسالة من صحيفة "هآرتس" لمن الغى الاشتراك في زمن حملة "الجرف الصامد". كان فيها ظاهرا اعتذار "اذا ما شعر أحد ما بالإهانة" من مقال الطيارين سيئ الصيت اياه، ولكن الرسالة بالأساس تبالغ في الشروحات لماذا كان النشر صحيحا ومبررا، وعمليا تواصل الصحيفة ايضا انتاج مقالات مسيئة ومشوهة، في كل مرة من قبل شخص آخر. وفي محاكاة نموذجية لـ "نيويورك تايمز" تصر "هآرتس" ايضا على أن التعميم، العرض احادي الجانب واتهام إسرائيل/ المستوطنين/ المتدينين بكل شيء – لن يعدل قريبا بشكل يتجاوز "الايضاح" هنا وهناك. محزن، أن هذه هي المشكلة بالضبط. فلا يدور الحديث عن التمسك بالهدف بل عن تلبد للأحاسيس ليس فيه أي كسب لأي طرف.
الضمير الاخلاقي محطم حقا، ولكنه محطم بسبب العناد، الانانية والتطلع إلى "الاثبات" باني محق طوال الطريق، فيما اخطأ كل الباقين. باستثناء أنه لا يوجد هنا طرف محق ومخطئ، وعليه فان كل المقارنة مدحوضة، سواء بين البرغوثي والاسد أم بين التنظيمات اليهودية السرية والإرهابيين الفلسطينيين. فهي تثبت فقط الطرف الاخر في مواقفه المصممة جدا على أي حال. لا يهم كم يدعي اليمين اننا اخلاقيين من الولادة، وكم سيكون من يدعي من اليسار انه من الطبيعي والمفهوم ان يكون المرء قاتلا فلسطينيا، فإن الحقيقة لن تتغير. حان الوقت لان نستوعب: يوجد هنا نزاع اقليمي معقد، يتطلب حلولا وسط من الطرفين. والحل على أي حال، لن يأتي من المعاندين المصرين على ان يعرضوا أنفسهم كـ "اخيار" من خلال عرض الاخرين كـ "أشرار". ليس هذا هو معنى الاخلاق.

التعليق