هل يكرر التاريخ النووي نفسه في كوريا؟

تم نشره في الجمعة 21 نيسان / أبريل 2017. 12:00 صباحاً
  • صواريخ بالستية خلال عرض عسكري في كوريا الشمالية -(أرشيفية)

مايكل ماندلباوم*

واشنطن، العاصمة- في الوقت الذي شهد انعقاد أول قمة بين الرئيس الصيني شي جين بينج والرئيس الأميركي دونالد ترامب في عزبة ترامب الفاخرة، مارالاجو، توقع المراقبون أن يركز جزء من المناقشة على الأقل بشكل ثابت على واحد من أكثر الأماكن فقراً في العالم: كوريا الشمالية. وعلى الرغم من أكثر من عشرين عاماً من المفاوضات المتقطعة، يدفع برنامج الأسلحة النووية في كوريا الشمالية العالَم نحو خط استراتيجي فاصل، يشبه كثيراً ذلك الذي واجهه الغرب قبل ستين عاماً، عندما دخلت الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي في مواجهة مباشرة في أوروبا.
نجحت الولايات المتحدة في التصدي لتحدي أوروبا في القرن العشرين دون الدخول في حرب. ولكن، لتحقيق نجاح مماثل في شرق آسيا اليوم، يتعين على ترامب أن يقنع شي جين بينج بتبني سياسة مختلفة في التعامل مع كوريا الشمالية.
عندما تحولت الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي إلى خصمين بعد الحرب العالمية الثانية، كان لكل من الطرفين وسيلة لردع الآخر عن الهجوم. كان الاتحاد السوفياتي يمتلك ميزة كبيرة -أو هكذا كان الاعتقاد السائد على نطاق واسع- في مجال القوات غير النووية، والتي كان بوسع الكرملين أن يستخدمها لغزو وقهر أوروبا الغربية. وكان بوسع الولايات المتحدة، بفضل احتكارها للأسلحة النووية، أن توجه ضربة نووية من أوروبا إلى قلب الاتحاد السوفياتي.
ثم في العام 1957، أوضح إطلاق "سبوتنيك" أن الاتحاد السوفياتي سوف يتمكن قريباً من توجيه ضربة نووية إلى قلب الولايات المتحدة، الأمر الذي دعا إلى التشكيك في مدى فعالية الردع الأميركي. فهل كان من المعقول، في الرد على هجوم على أوروبا الغربية، أن تشن الولايات المتحدة حرباً ضد الاتحاد السوفياتي، وبالتالي دعوته إلى شن هجوم نووي على أراضيها؟ كان لدى أميركا وحلفائها أربعة حلول ممكنة لهذه المشكلة الجديدة والخطيرة: الاستباق، والدفاع، والانتشار، والردع.
كان الاستباق -بمعنى شن هجوم على الأسلحة النووية السوفياتية- سيؤدي إلى اندلاع حرب عالمية ثالثة، وهو احتمال غير جذاب من غير ريب. ومع نمو الترسانة النووية السوفياتية، استبعدت حكومة الولايات المتحدة الدفاع ضد هجوم صاروخي: لأنها ما كانت لتتمكن من تشتيت كل المتفجرات النووية القادمة، وكان الخيار الأكثر أماناً هو أن يمتنع أي من الجانبين عن محاولة بناء دفاعات صاروخية باليستية. ومن ثَم، تفاوضت إدارة الرئيس ريتشارد نيكسون ووقعت في العام 1972 على المعاهدة السوفياتية-الأميركية بشأن الصواريخ المضادة للقذائف الباليستية، والتي حظرت مثل هذه الأنظمة فعلياً.
وكان الخيار الثالث، وهو تمكين الدول التي يحتمل أن تكون مهددة من حيازة الأسلحة النووية، قائماً على افتراض أن أي حكومة قد تكون على استعداد لاستخدام مثل هذه الأسلحة للدفاع عن بلدها، إذا لم يكن للدفاع عن بلد آخر. وقد استشهد الرئيس الفرنسي شارل ديغول بهذا المنطق لتبرير برنامج الأسلحة النووية الفرنسي، وإن كان هو أيضاً لديه أسباب أخرى وراء رغبته في التحاق فرنسا بعضوية "النادي" النووي. ولكن، بهذا المنطق، كانت ألمانيا الغربية أيضاً في حاجة إلى ترسانة نووية؛ ونظراً لتاريخ ألمانيا في القرن العشرين، لم يكن أحد، وخاصة الألمان، راغباً في مثل هذه النتيجة.
لذلك، اختار الغرب تعزيز الوضع الراهن، مع سعي الولايات المتحدة إلى تعزيز مصداقية سياسة الردع في أوروبا من خلال التصريح علناً وبشكل متكرر بأنها لن تتردد في الدفاع عن حلفائها، على الرغم من الخطر المتمثل في تسبب ذلك بتعريض أراضيها للهجوم. وقد دعمت الولايات المتحدة موقفها بنشر أسلحة نووية في القارة الأوروبية، ونشر قواتها على الخطوط الأمامية في ألمانيا لكي تعمل عمل أسلاك الإعثار: أي هجوم هناك من شأنه أن يطلق مشاركة الولايات المتحدة في أي حرب ربما يبدؤها الجانب الشيوعي. وقد نجحت هذه الاستراتيجية: فبفضل أي مجموعة من الأسباب، لم يشن الاتحاد السوفييتي أي هجوم من أي نوع على الغرب.
الآن، بعد مرور ستة عقود من الزمن، تلوح تحديات مماثلة على شبه الجزيرة الكورية. فمنذ نهاية الحرب الكورية في العام 1953، ساعد الوجود العسكري الأميركي في ردع أي هجوم محتمل تشنه كوريا الشمالية على الجنوب، في حين نجح الشمال الشيوعي في ردع الولايات المتحدة أيضاً: حيث تستطيع مدفعية كوريا الشمالية الهائلة المنتشرة على طول المنطقة منزوعة السلاح التي تقسم شبه الجزيرة أن تدمر عاصمة كوريا الجنوبية، سول، التي يسكنها عشرة ملايين شخص، رداً على أي هجوم أميركي.
يهدد برنامج الأسلحة النووية في كوريا الشمالية بإضعاف هذا التوازن، من خلال إعطاء نظامها القدرة، من خلال الصواريخ الباليستية البعيدة المدى التي يختبرها، على ضرب الساحل الغربي للولايات المتحدة، وبالتالي إثارة نسخة جديدة من سؤال قديم: هل تجازف الولايات المتحدة بسلامة لوس أنجليس من أجل حماية سول؟ الآن تواجه الولايات المتحدة وحلفاؤها نفس الخيارات الأربعة التي واجهت التحالف الأطلسي قبل ستين عاماً.
إنهم يستطيعون أن يحاولوا التعايش مع الصواريخ الكورية الشمالية النووية بعيدة المدى، اعتماداً على الردع. وهذا يعني أن سلامة الملايين من الأميركيين سوف تعتمد على حكمة وتعقل دكتاتور كوريا الشمالية الذي يبلغ من العمر 33 عاماً، كيم جون أون، وهو الرجل الشاب الذي يستمتع بعمليات الإعدام البشعة لأفراد أسرته ورفاقه المقربين.
في الماضي، بدت مثل هذه النتيجة غير مقبولة في نظر خبراء الأمن القومي في الولايات المتحدة. ففي حزيران (يونيو) 2006، زعم ويليام بيري الذي كان آنذاك وزير دفاع سابق، وأشتون كارتر، الذي أصبح الآن وزيراً للدفاع، في صحيفة "الواشنطن بوست" أنه إذا أقدمت كوريا الشمالية على نشر صواريخ مسلحة نووياً على أراضيها وقادرة على ضرب الولايات المتحدة، فينبغي للولايات المتحدة أن تهاجمها وتدمرها.
ولكن، كما هو الحال في الوضع الراهن، فإن شن هجوم ضد ترسانة كوريا الشمالية النووية ينطوي على مخاطر هائلة. ومن المرجح أن يؤدي مثل هذا الهجوم إلى إشعال شرارة حرب كورية ثانية. وسوف يخسر الشمال وينهار النظام بكل تأكيد، ولكن هذا قد لا يحدث قبل أن يوقِع أضراراً فادحة بكوريا الجنوبية، وربما اليابان أيضاً.
بعد انسحابها من معاهدة الصواريخ المضادة للقذائف الباليستية، بدأت الولايات المتحدة تنشر بالفعل أنظمة الدفاع الصاروخية، على أمل إحباط هجوم نووي صغير النطاق (وإنما ليس هجوماً هائلاً من ذلك النوع الذي قد تشنه روسيا). وهذا الخيار أيضاً يحمل مخاطر جسيمة. فمع نمو ترسانة كوريا الشمالية النووية، تتضاءل فعالية الدفاع الصاروخي. وحتى وقوع انفجار نووي واحد في الولايات المتحدة، أو كوريا الجنوبية، أو اليابان، سيكون كارثة محققة.
إذا شَكَّت دول شرق آسيا في مصداقية التزام الولايات المتحدة بالدفاع عنها -وقد أوضح ترامب تحفظاته حول التحالفات الأميركية مسبقاً- فربما تسعى إلى إنتاج الأسلحة النووية، كما فعلت فرنسا من قبل. ومن المؤكد أن اليابان وكوريا الجنوبية وتايوان قادرة على القيام بهذا بسرعة.
لكن شرق آسيا الذي تمتلك فيه دول عديدة أسلحة نووية لن يكون مستقراً بالضرورة. فعلى النقيض من أوروبا خلال الحرب الباردة، سوف تكون القوى النووية عديدة، وليس اثنتين فقط؛ وسوف تفتقر بعض هذه الدول إلى قدرة "التدمير المؤكد" -بمعنى القدرة على امتصاص أي ضربة نووية ثم إيقاع أضرار بالغة بالمهاجم. وفي غياب مثل هذه القدرة، يصبح الحافز لدى الدولة المسلحة نووياً أعظم كثيراً من الحافز لدى الولايات المتحدة أو الاتحاد السوفياتي في الماضي لإطلاق ضربة أولى، إذا ظنت أنها ستتعرض لهجوم.
الردع، والاستباق، والدفاع، والانتشار: لا شيء من هذه الاستجابات الأربع المحتملة للتقدم المحرز في البرنامج النووي في كوريا الشمالية يبعث على الثقة. ولكن، ينبغي أن ننتبه إلى فارق مهم بين شرق آسيا في القرن الحادي والعشرين وأوروبا في القرن العشرين، وهو الفارق الذي يخلق الفرصة لتجنب كل الخيارات الأربعة: الصين في وضع يمكنها من فرض ضغوط قوية على مصدر التهديد النووي.
تأتي احتياجات كوريا الشمالية من الغذاء والوقود جميعها تقريباً من الصين المجاورة. ولكن، على الرغم من معارضتها لبرنامج الأسلحة النووية في كوريا الشمالية، وافتقارها إلى الحماس لأسرة كيم، فقد امتنعت الحكومة الصينية حتى الآن عن ممارسة الضغوط من خلال التهديد بقطع الشريان الذي يمد الشمال بالحياة. وأكثر ما تخشاه الصين هو انهيار نظام كيم، الذي قد يرسل موجة غير مرغوبة من اللاجئين عبر حدودها، وربما يخلق جارة جديدة غير مرغوبة: دولة كورية موحدة ومتحالفة مع الولايات المتحدة.
في حين قد يكون لدى الصينيين من الأسباب الوجيهة ما يجعلهم يفضلون الوضع الراهن على شبه الجزيرة الكورية، فإن الاستمرار في التساهل مع طموحات القيادة الكورية الشمالية النووية هو خيار بالغ الخطورة. فقد تجد الصين نفسها محاطة بدول غير صديقة مسلحة نووياً، أو قد تضطر إلى الدخول في حرب بغيضة على حدودها، أو ربما الأمرين معاً.
ينبغي لترامب أن يؤكد على هذه النقطة في حواراته مع شي. وعلى أقل تقدير، ما لم تعمل الصين على وقف برنامج كوريا الشمالية النووي، فإن هذا البرنامج كفيل بجعل شرق آسيا مكاناً أشد خطورة للجميع، بما في ذلك الصينيين أنفسهم.
ذات يوم، قال مارك توين أن الجميع يتحدثون عن الطقس، ولكن أحداً لا يفعل أي شيء حياله. ويصدق هذا على برنامج كوريا الشمالية النووي لفترة تقرب من ربع القرن من الزمن. ولكن، قد لا يظل حاله هكذا لفترة أطول كثيراً.

* أستاذ فخري للسياسة الخارجية الأميركية في كلية الدراسات الدولية المتقدمة بجامعة جونز هوبكنز. آخر كتبه: "فشل المهمة: أمريكا والعالم في حقبة ما بعد الحرب الباردة".
*خاص بـ "الغد"، بالتعاون مع "بروجيكت سنديكيت".

التعليق