أبو هشهش يترجم رواية "مذكرات مالته لوريدز بريغه"

تم نشره في الخميس 20 نيسان / أبريل 2017. 11:00 مـساءً
  • الدكتور ابراهيم ابو هشهش وغلاف الرواية -(الغد)

عزيزة علي

عمان- رأى أستاذ الأدب الحديث في جامعة بير زيت د. إبراهيم أبو هشهش أن رواية "مذكرات مالته لوريدز بريغه"، للألماني راينر ماريا ريلكه، التي قام بترجمتها إلى اللغة العربية تعد من "أهم الروايات الانطباعية في القرن العشرين.
واعتبر أبو هشهش في مقدمة الرواية التي صدرت عن دار الشروق للنشر والتوزيع عمان- ورام الله، أن الرواية "مثلت انقطاعا عن التقاليد الروائية الألمانية الواقعية في القرن التاسع عشر، ولها تأثير كبير على الرواية الأوروبية الحديثة.
 وتتميز الرواية، بحسب أبو هشهش، بغياب الحدث المركزي بوصفه نقطة الارتكاز الأساسية للسرد، واعتمادها بشكل واضح على تقنية تيار الوعي التي بلغت ذروتها لاحقا على يدي مارسيل بروست ، وجميس جويس.
وأضاف أبو هشهش  أن الرواية لا تقوم على أحداث "كرونولوجية" ويمكن للقارئ متابعتها وربط أجزائها معا، لأن المشاهد والمقاطع المتلاحقة لا ربط بينها سوى مشاعر السارد "مالته"، وتطور وعيه من خلال مشاهداته وانطباعاته وقراءاته التي يتابعها القارئ في واحد وسبعين مقطعا يمكن قراءتها منفصلة على أنها قصائد نثر قائمة بذاتها، ولكنها في الوقت نفسه هي ما يشكل المقولة السردية الكلية في الرواية.
وأشار أبو هشهش إلى أن القسم الأول من الرواية يبدأ من شارع "توليبه" في تاريخ 11 (ايلول)سبتمبر بدون تعيين للسنة، ويمكن للقارئ الاستنتاج أن ذلك كان في نهاية القرن التاسع عشر أو بداية القرن العشرين، لأن مظاهر الحداثة الناجمة عن التصنيع قد أخذت تمنح للمدينة شخصيتها الحديثة، وذلك في إشارة السارد إلى القطارات الكهربائية والسيارات والمستشفيات الكبيرة والازدحام وحركة السير الكثيفة.
 واعتبر أبو هشهش أن هذا القسم هو أكثر أقسام الرواية تقاطعا مع حياة  ريلكه  نفسه، فعلى الرغم من أن مالته شخصية مبتكره متخيلة، إلا أنه يمكن القول في الوقت ذاته إن مالته هو ريلكه في أحيان كثيرة.
وأشار إلى أن المؤلف كتب الرواية تحت تأثير الانطباعات الأولى التي عاشها في باريس أثناء إقامته في الأول مرة بين 1902-1903، وبعض هذه المقاطع كان صدى لكثير من قصائده وخاصة في "كتاب الساعات"، "كتاب الصور"،"كتاب الفقر والموت"، "قصائد جديدة"، أو لرسائله إلى زوجته  كلارا ، أو إلى صديقته  لو اندرياس سالومي، وسواهما.
وهناك بعض المواضع التي يظهر فيها تأثر ريلكه بمشاهداته لمعالم باريس ومتاحفها، أو بقراءاته، وخاصة قراءته لبودلير،  وديوانه "أزهار الشر"، بحسب أبو هشيش الذي بين أن أثر بودلير ظهر باقتباس ريلكه لجزء من قصيدته النثرية "سأم باريس"، وفي حديثه عن قصيدة "جيفة" التي وصفها في رسالة إلى زوجته كلارا بالقصيدة الخارقة، وفي بعض المشاهد الوصفية لمشاهداته وانطباعاته في باريس .
إما القسم الثاني فهو أكثر الأقسام وضوحا في بنيته السردية العامة، من حيث وجود سارد محدد يحكي ويتابع موضوعه، فهو الذي يتحدث عن طفولة مالته ونشأته النبيلة في قصر جده لأبيه في أولزغارد الذي كان من كبار رجال البلاط الدانماركي، أو في قصر عزبة جده لأمه الأرستقراطي المتقاعد في ارينكلوستر. ويمثل هذان المكانان من خلال شبكة الموازيات الكنائية النقيض المقابل لحياة الفاقة والخوف والوحدة في باريس، وفي الوقت نفسه يشكلان مقاطع مونتاجية تكميلية قابلت فيها الرواية بشكل مقصود بين مواقف متضادة في حياة الريف نفسها؛ مثل صرامة الحياة في قصر جده لأبيه قيم القصر كريستوف ديتلف بريغه في أولزغارد من جهة، وانفتاحها وتسامحها في قصر جده لأمه الكونت براهه في اورينكلوستر، من جهة أخرى.
ويبين أبو هشهش أن القسم الأخير، من الرواية هناك تنوع في عوالمه المكانية والزمانية وفي شخوصه، ويجد القارئ صعوبة في فهمه من غير الاستعانة بالهوامش الشارحة، فهو يتضمن معالجات ريلكه وقراءاته وتأملاته في شخصيات وأحداث تاريخية وأسطورية، ولا روابط سردية بينها، فهي تتجاور معا  في مقاطع مونتاجية، ولكن ما يميزها معا هو التأمل العميق في الموتيفات الكبرى التي تمثل حالات الحدود، حسب "كارل ياسبرز"، وهي تدل على "الخوف والمرض والموت والعزلة والوحدة والقدر والحب" وهي الموتيفات التي تخللت الرواية بأسرها، أي التجارب الوجودية الكبرى في العالم الحديث خصوصا، فالرواية تتأمل من مسافة زمانية ومكانية شاسعة بين السارد والموضوع في هذا الشخصيات التاريخية في هذه الحالات بالذات: حالات الخوف والجنون والمرض والوحدة والاحتضار والموت، بالإضافة إلى الحب الذي احتل مساحة واسعة في هذا القسم خاصة من الرواية، بوصفه برهة وجودية متسامية يمكن للإنسان ان يتعلمها ويتدرب عليها.
ويذكر أن ريلكه (1885 ـ 1926) هو احد اكبر شعراء ألمانيا في القرن العشرين، ومن بين كبار شعراء القرن العشرين. ولد في براغ وقضى معظم عقود حياته متجولاً في معظم أرجاء أوروبا، زار تونس ومصر، وأقام في سويسرا، في العام  1919، ومن أهمّ أعماله: "كتاب الصور"، "قصص الإله الطيب"، "كتاب الساعات"، "مراثي دوينو"، و"سونيتات إلى أورفيوس".
اما ابو هشهش فهو حاصل على دكتوراه في الأدب العربي من جامعة برلين في ألمانيا، وصدر له عدة كتب مترجمة عن الألمانية في الفكر والأدب وكتب الأطفال. وصدر له بالعربية كتاب "أول المطر: قراءة في مضامين كتابات أطفال فلسطين (1996- 2009)"، منشورات مؤسسة تامر، رام الله.

التعليق