الجفاف العاطفي... سلوك تكرسه التنشئة العائلية شحيحة المشاعر

تم نشره في الخميس 20 نيسان / أبريل 2017. 11:00 مـساءً

مجد جابر

عمان- لم تعرف رولا محمود 30 عاماً كيف تتصرف تجاه إحدى أعز صديقاتها التي كانت تمر بمحنة وبحاجة إلى من يواسيها ويخفف عنها، حيث أن رولا واحدة من بين الأشخاص الذين يجهلون تماماً طريقة إظهار مشاعرهم.
حزن رولا على صديقتها كان لا يوصف وكانت مستعدة للقيام بأي شيء مقابل إخراجها من محنتها، إلا أنها لا تملك الجرأة في البوح عما في داخلها من مشاعر لمواساتها، كونها لم تعتد منذ صغرها على البوح بمشاعرها اتجاه أي موقف، على اعتبار أن البوح بالمشاعر ضعف، وإنها لا بد أن تكون قوية دائما.
وتؤكد رولا أنها لم تجد أسلوب التعبير عن المشاعر بين أفراد عائلتها، بالرغم من أن جميعهم يحبون بعضهم جداً لكن لا يترجمون ذلك الحب بالكلمات، موضحة أنها مع الوقت باتت تشعر أنهذا السلوك خاطئ جداً، وأن الإنسان بطبيعته بحاجة دوماً للإفصاح عن مشاعره لما يتركه ذلك من أثر ايجابي على النفس.
الأربعيني مهند هو أيضا لم يعتد على الإطلاق على عناق أطفاله أو تقبيلهم، بالرغم من أن أبناءه أغلى عليه من نفسه، ويحبهم بطريقة لا توصف ومستعد لعمل المستحيل لأجلهم.
مهند الذي كان يكتفي بترجمة حبه من خلال ما يفعله لأجل أبنائه وما يسعى لتحقيقه لهم، بات يفكر بضرورة التعبير عن مشاعره لإبنائه، بعدما لفت انتباهه للأمر ابن له في الصف الثاني، إذ أخذ يشكك في حبه لهم، ويقارنه بوالد صديقه الذي يضمه يومياً عندما يقوم بإيصاله للمدرسة ويقبله عندما يأتي لأصطحابه بالبيت.
وهناك الكثير من العائلات التي يعيش أفرادها تحت وطأة الجفاف العاطفي، لغياب القدرة على التعبير والإفصاح عن المشاعر التي يكنونها لبعضهم، كونهم لم يعتادوا على ذلك منذ نعومة أظفارهم، ولم يروا هذا السلوك من قبل والديهم، ما خلق لديهم نوع من الجفاء العاطفي.
ويرى اختصاصيون أن التعبير عن المشاعر هو أمر مهم جداً، وهو حاجة لها أثر كبير على الطرف الثاني، ولا بد من التدرب عليها واستخدامها في علاقتنا الآخرين.
وفي ذلك تذهب اختصاصية العلاقات الدكتورة نجوى عارف إلى أن التعبير عن المشاعر الايجابية أمر مهم جداً، فالمشاعر تكون موجودة لدى الشخص، لكنه لا يعرف كيف يخرجها، مبينةً أن مهارة إظهار المشاعر يتعلمها الإنسان منذ الصغر.
وتشير إلى أنه لا بد من إظهار المشاعر لما تشبعه من حاجات عند الآخرين، ولا يمكن اشباعها من خلال التصرفات فقط، إذ لا بد من التعبير من خلال الكلمات والمصطلحات، خصوصاً إذا جاءت هذه المشاعر في وقت غير متوقع، فهي تترك الأثر الكبير على الطرف المقابل.
وتبين عارف أن التعبير عن المشاعر، يبدأ بالتدريب، فيجب على الأهل أن يعلموا أبنائهم ذلك وأن يربوهم بهذه البيئة حتى يعتادوا على ذلك، عازية الجفاف العاطفي لدى البعض إلى أنهم تعلموا منذ الصغر أن التعبير عن المشاعر تابوه لا يجب الدخول به، وهو الأمر الذي يكبر عندهم ويخلق هذا الجفاف.
ولا بد للأهل، وفق عارف، الترحيب بكافة المشاعر التي يقولها الطفل، حتى لا يشعر أن عليه عدم البوح بمشاعره، لأنه وبالطبيعة البشرية يشعر الفرد بالانبساط والسعادة من هذه التعابير، حتى لو قوبلت في الرفض في البداية، لأنها ليست عادة متعارفا عليها في البيت، ومع الوقت ستصبح سلوك.
خصوصاً وأن أي جفاف لدى الشخص يعود سببه الى التنشئة في بيته ما يجعله شخصا لا يحسن التعبير في كل شيء سوى الحزن أو الفرح أو الحب، لافتةً الى أن الحاجة الى التعبير والسماع للمشاعر هي حاجة مهمة موجودة لدى كل الأشخاص دون استثناء. وهي عملية متبادلة ومهم جداً أن تكون بين الأم ليكونوا هم نموذج وقدوة للأبناء.
في حين يرى الاختصاصي التربوي النفسي الدكتور موسى مطارنة أن الجفاف العاطفي أمر قاتل، لأن الإنسان عبارة عن كتلة من الأحاسيس والمشاعر، مبيناً أن الإنسان بطبعه يملك فيض من العواطف والمشاعر وعدم إشباعها يعتبر إشكالية كبيرة.
ويرى مطارنة أن من لا يملكون القدرة على التعبير عن مشاعرهم هم أشخاص يرون في التعبير عن العواطف والإفصاح عنها نوع من الضعف. ويشير إلى أن الجفاف العاطفي يؤثر على المدى البعيد على الشخصية، إذ يمكن أن يصبح الفرد شخصية غير متزنة ليس لديها أي قدرة على العطاء، ولا تمتلك الحس الإنساني، لافتاً إلى أن ذلك سببه التنشئة في بيئة لا تملك القدرة على التعبير وغير معطاءة في المشاعر وفيها فتور.

التعليق