د.باسم الطويسي

انكسار ثقافي

تم نشره في الاثنين 24 نيسان / أبريل 2017. 12:07 صباحاً

ردود فعل باهتة، بدون طعم ولا لون على محاكمة مثقف وفنان كبير بحجم زياد رحباني لا لشيء أكثر من إرضاء غرور نخب سياسية، وردود فعل باهتة وقلة حيلة على تدمير وتخريب تراث ثقافي وحضاري من آثار ومدن ومتاحف بعمر الزمن، حيث يفوق ما تم تخريبه خلال ست سنوات ما دمر خلال ستة قرون. 
 لم تشهد الحياة العامة العربية، منذ عقود طويلة، لحظة انكشاف سياسي وثقافي مثل ما نشهده هذه الأيام، في ظل التحولات السياسية والثقافية العاصفة التي تشهدها المنطقة العربية. ولعل الانكسار الثقافي أشد وطأة من الهزائم السياسية؛ إذ من الواضح افتقاد الحياة العامة العربية للمناعة الثقافية التي من المفترض أن تقاوم في وجه الانكسارات السياسية. بل من المفترض أن نرصد هذا الصعود المدوي للطائفية وحروبها، وازدهار التطرف السياسي والديني في أعتى صوره، وفشل التنمية الصارخ، على أنها هزائم ثقافية صرفة.
واجهت المجتمعات العربية المعاصرة لحظات متعددة شهدت اعترافات قاسية بالهزيمة الثقافية. منها لحظة اعتراف رواد النهضة العربية الحديثة في القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، حينما أخذوا علما بمدى الفوات الحضاري عن العالم، واعترفوا ووثقوا هذا الاعتراف بعشرات المؤلفات. وفي لحظة ثانية كانت الصدمة الثقافية محمولة على الهزيمة العسكرية والسياسية بعد حرب 1967؛ فكانت الهزيمة للمشروع الثقافي الذي حملته الحياة السياسية في عقود النصف الثاني من القرن العشرين الماضي.
إن فوضى المعرفة أوسع وأكثر قسوة من فوضى مشهد المعركة أحيانا. الناس لا يملكون إجابات عن الأسئلة التي تتردد في ضمائرهم، ولا يستطيعون تحديد مواقف مستقلة، لأنهم باختصار افتقدوا، ومنذ قرون عديدة، المعايير والقدرة على إنتاج القيم الكبرى وتجديدها.
قبل سبعة قرون ونصف القرن، هي نصف عمر الإسلام بالتمام والكمال، لخص ابن خلدون آلية إنتاج العزلة عن التاريخ؛ أي افتقاد القدرة على التغير الاجتماعي والثقافي بأدوات ذاتية. كان ابن خلدون يقرأ ثلاثة قرون خلت قبل عصره من عمر دولة العرب والمسلمين ومجتمعاتهم، شهدت البدايات الأولى لسياق العزلة. وقدم النموذج الذي يفسر دور البنى الهزيلة التي ما توقفت عن إعادة إنتاج التاريخ ذاته، ومنذ ألف عام وهي تعتاش على التناقضات والمصالح الضيقة.
تبدأ دورة العصبية في بناء الدولة في تحالف حماة الشريعة من أهل السنة في الحضر، مع القبائل من أهل البادية؛ حيث توفر هذه الأخيرة المد الكبير من المواهب العسكرية والسياسية. وعلى هذا الأساس، يتكرر دوما تقسيم العمل بين المدينة كمركز للتجارة والحرف، وبين البادية وقبائلها كمصدر للسلطة السياسية. ويتم هذا التحالف وتقسيم الأدوار تحت غطاء يدعمه الدين أحيانا. لكن بدايات الاستقرار وتحول موازين القوى يعملان على تعضيد الحكم المستبد الذي يتنازل عن جزء من سيطرته لصالح مجاميع في الريف والبادية. ومن هنا يتهيأ المسرح لظهور تحالف حماة الشريعة من جديد، المدعوم بالمستودع الهائل من القوة من أهل البادية والريف، والانقضاض على الحكم الفاسد وبناء الدولة الجديدة. وهي دائرة تاريخية لم تتوقف منذ ألف عام.
ليست وحدها الحركات الجهادية والسياسية الإسلامية التي تعاني العزلة عن التاريخ، بل تشاركها النخب الأخرى التي تنافح عن قيم مسروقة من سياقها التاريخي والمجتمعي. وفوق ذلك، يستمر غياب الناس والمجتمعات. ونشعر في كل مرة بفشل مرير في بناء موقف من حركة التاريخ والأحداث؛ لافتقاد الناظم المشترك، وأرض المعرفة التي تهيئ لتراكم حقيقي يحتمل البناء في معمار العقول قبل معمار الأوطان.
إن تتبع الإشارات والعلامات التي تقود خريطة فهم الحياة العامة في هذا الجزء من العالم، بأبعادها السياسية والثقافية والاقتصادية، تكشف كم بقيت وما تزال هذه المجتمعات مطحونة بالعوز، ومعزولة يحمّلها التاريخ العبء، ولم تحمل التاريخ المحفز، فيما بقي التنوير ونخبه بعيدين عن الناس وعن معاشهم وأحوالهم اليومية، الانكسار الثقافي احيانا اقسى من انكسارات أخرى لأنه يضرب في العمق ويذهب نحو المدد الطويلة.

التعليق