جهاد المنسي

اعرف عدوك!!

تم نشره في الاثنين 24 نيسان / أبريل 2017. 12:04 صباحاً

عندما تسمع عن مشاكل يعاني منها مثقفون وكتاب وساسة وقادة رأي عام، وتستمع لرؤيتهم للواقع الحالي، وتعاين عن كثب حقائق يرونها لما وصلنا إليه من مشاكل بنيوية مجتمعية، باتت تنخر في نسيج المجتمع، فإنك ستشعر بخوف حقيقي على المستقبل؛ بعيده وقريبه، وفي الوقت عينه ستضع يدا على القلب خوفا على مآلات جيل مقبل.
هذا ما تيسر لي ملامسته من مداخلات لمثقفين وكتاب خلال ندوة أقامها مركز نيسان للتنمية السياسية والبرلمانية مؤخرا، تحت عنوان "نحو مجلس أعلى للثقافة والفنون"، وفيها عاينت تشخيصا لواقع ثقافي سلبي، وتقصيرا حكوميا ملموسا في استنهاض الجانب الثقافي وتطويره ورفع سويته، اذ لا يعقل ان تكون حصة الفرد الأردني من موازنة الثقافة 15 قرشا، وبعد ذلك نتحدث عن تدهور منظومة القيم الإنسانية، وسيادة قيم العشيرة بدلا من قيم الدولة الجامعة، وسيطرة الهويات الفردية والفرعية أمام الهوية الوطنية.
الحقيقة التي نجمع عليها كلنا في غرفنا المغلقة أن زاوية الرؤية عند سوادنا باتت غير واضحة، فتشتُت البوصلة اتسع حتى باتت تختلف من فرد لآخر، وهذا للأسف بات ينسحب على البعض من الطبقة المثقفة، وكذلك على طبقة سياسية وإعلامية وأحزاب، وكذلك على صناع الرأي العام.
ليس مفاجئا أن تسمع حكايا لجهات تخلت عن دورها، وتحكّمت فيها رؤىً محافظة حينا وظلامية في مطارح أخرى، فضلا عن خوف من مغبة قرع جرس الحداثة والتنوير، وإشهار سيف الوقوف أمام الأفكار الظلامية التي بتنا نراها تنهش في المجتمع بين فينة وأخرى، وتؤثر على الجميع ما بين تأييد من جهة، أو خوف من مواجهة تلك الأفكار التي تعشعش في بعض مفاصل المجتمع من جهة ثانية.
مشكلتنا التي لا بد من تشخيصها، وكانت موضع بحث، والهدف الرئيس للورشة الفكرية التي أقامها "نيسان" هي تشحيص الواقع الثقافي بشكله الحاضر، وتقديم حلول له، والبحث عن طريقة تتمثل في إقامة مجلس أعلى للثقافة والفنون تكون مهمته رفع سوية مخزوننا الثقافي والفني وتقديم رؤى فكرية للنهوض به ودعمه بكل المقاييس والسبل.
ما تمت ملامسته حقيقة واضحة مفادها أن الواقع الحالي بحاجة لأكثر من تشخيص ولأكثر من حل، واستنهاضا للمثقفين الحقيقيين، بما يؤدي في نهاية المطاف لإعادة البوصلة لمسارها الطبيعي، واستنهاض الهمم لإخراج كل من تسلق في ثنايا المجتمع بأفكار هدامة وظلامية بعيدا عن الحداثة والتطور والإبداع، إذ لا يجوز أن يكون بيننا وبين المثقفين والكتاب والفنانين والرواد وقادة الرأي العام من يخلط بين الفكر والحضارة والريادة والتطور وبين أفكار ما تزال تتجرع مخزون حكايا قيلت قبل آلاف ومئات السنين، أو من يقبل منح عقله إجازة لبرهة ومعالجة السكري والسرطان وغيرها من أمراض سارية بالأعشاب وبالرقية وغيرها!.
واقعنا الحالي مؤلم؛ فلو سألنا بعضهم سؤالا مركزيا يتطلب إجابة صريحة عن عدونا الآني، فإن الإجابة ستختلف من شخص لآخر، وهذا إن دل على شيء فإنه يدلل على تشتت الرؤية وغياب التشخيص الحقيقي الواقعي القائم على الحداثة.
خلاصة القول إنه إذا أردنا الوصول لتحقيق إصلاحنا المنشود، والذهاب بالمجتمع باتجاه الدولة المدنية الحضارية العصرية، التي نعزز فيها قيم الدولة الجامعة، فإن علينا الخروج من الحلقة ذاتها، التي يعاني منها المجتمع، وتركيز البوصلة بشكل واضح، وأن نعرف جميعنا عدونا الرئيس، المتمثل في ارتفاع وتيرة السوداوية، والخوف من مواجهة الأفكار الظلامية، ومقارعة الحجة بالحجة، وكشف الأعداء الحقيقيين الذين ينهشون في بنياننا، ويسمّمون قيم مجتمعنا، ومن ثمّ إخراجهم من ثنايا الوطن عبر خطاب إصلاحي حقيقي.

التعليق