عيسى الشعيبي

كيف يفهم الدكتاتور واقعه؟

تم نشره في الاثنين 24 نيسان / أبريل 2017. 11:04 مـساءً


ليست هذه هي المرة الاولى التي أطرح فيها على نفسي، بصورة تأمّلية صامتة، سؤلاً لا جواب شافياً له عندي، مثل هذا السؤال الخاص بالتكوين النفسي للطغاة، لا سيما المذعورون منهم والمهددون في مستقبلهم؛ كيف يعيش هؤلاء يومهم، يفهمون واقعهم، ويصدقون ما تقوله التقارير لهم؟ وكيف يرون صورهم في المرآة، متى يشتهون ازدراد طعامهم، وكيف يطردون الأرق عن جفونهم، ويلاطفون أولادهم؟ وغير ذلك من هذه الاسئلة التي لا يستطيع الرد عليها سوى أقرب المقربين من الدكتاتور القابع في حصنه، وهؤلاء يقضون عادة في ظروف غامضة، ويصمتون إلى الأبد.
مناسبة إعادة طرح هذا السؤال على نحو علني، أملتها مقابلة اجراها بشار الاسد مع وكالة انباء روسية، تطرق فيها الى جوانب عديدة من الازمة التي يعيشها هذا الفتى، الذي ورث بلداً كاملاً عن ابيه، حيث شخّص الرئيس الخائض في دماء شعبه، الوضع السوري الراهن بعين من يرى الواقع كما يحب، لا كما هو في حقيقة الامر، تماماً على نحو ذلك التشخيص الرغائبي الذي درج عليه الدكتاتور المأزوم في كل مقابلاته الصحافية والتلفزيونية السابقة، الى حد كان يدفع بالصحافيين الغربيين بعد اجراء المقابلات الى التساؤل في كل مرة؛ هل يدرك بشار الاسد ما يدور حوله؟
وكان للمرء ان يمر على تلك الاقوال والتحليلات العجيبة مرور الكرام، وان يكتفي برسم ابتسامة خفيفة على شفتيه، لولا ان الاسد الابن، قد عرج في مقابلته الاخيرة على الاردن، واطنب في تصوير واقع البلد الذي يراه معظم السوريين المقتلعين كجنة على الارض، زاعماً ان الاردن ليس دولة، وانما مجرد ارض يقرر فيها الاميركيون ما يشاؤون ازاء الجارة الشمالية، التي لم تعد بلداً ولا دولة، بل مجرد جغرافيا مدمرة، وسماء مستباحة، وشعب نصفه نازح او لاجئ خارج دياره، التي عاثت فيها الميليشيات الطائفية قتلاً على الهوية، وقضت البراميل المتفجرة على مرافقها وبنيتها التحتية.
واحسب ان هذا التشخيص "الممانع" يصلح مدخلاً لطبيب بارع في علم النفس، لتحليل شخصية صاحب هذه الافكار المدمن على انكار الواقع وكره الحقائق الصادمة، وتلك المفارقة لما يجري تحت أنفه وما يدور حوله. ولعل السؤال المنطقي هنا؛ هو من اين يستمد الاسد هذه التصورات عن عالمه؟ وكيف يبني هذه الرؤية لنفسه، اذ لم يكن المحيطون به من رؤساء فروع الامن، وقادة الحرس الثوري الايراني، والجنرالات الروس هم من يزينون له الواقع السوري المريض، ويؤولون على مسامعه كل الوقائع والتطورات باعتبارها حقائق مختلقة من صنع ارباب المؤامرة الكونية العظمى؟
يدلل على صحة هذا الافتراض الذي ظل يتعزز مع مرور الوقت، ان الاسد المعزول داخل قصره، لا يستقبل ضيوفاً من الخارج، ولا تزوره وفود الا اذا كانت ايرانية وروسية، ومن ثمة فهو لا يستمع الا لبطانة نظامه الأمني، ممن ينكرون انهم قتلوا شاباً او امرأة، او قصفوا بيتاً على رؤوس اصحابه، او استخدموا السلاح الكيماوي ذات مرة. واحسب ان الاسد اذا سأل اعضاء الحلقة الضيقة حوله؛ وماذا عن الصور والفيديوهات والتقارير المصورة؟ يقولون له على الارجح انها صور مفبركة، من صنع اعداء حلف الممانعة، وسيعيدون الى ذاكرته مقولة؛ ألسنا في حرب نفسية اشد قسوة من المعارك الميدانية؟ ألسنا نتعرض لمؤامرة كونية منذ ست سنوات متواصلة؟
وعليه، فإن ما ورد على لسان بشار الاسد من كلام مريض حول الاردن، لا يستحق اهتماماً اكثر من ذلك الرد الموزون القاطع، الذي جاء على لسان وزير الاعلام الدكتور محمد المومني، حيث اوضح الوزير الهادئ؛ ان هذه الاقوال التي لم تفاجئ احداً، مجرد تحليل منفصل عن الواقع الذي يعيشه الاسد وما تبقى من نظام حكمه، او كما علق بعض الزملاء الكتاب، بأن هذه التصريحات الصادرة عمن احترف سياسة الإنكار، تؤكد ان الرجل حبيس صورة ابيه، لا يدري ما يدور في بلده، فما بالك عن محدودية ادراكه لما يقع في البلاد المجاورة، كون جلاوزة رجال امنه، ومستشاريه الايرانيين، يغيبونه عن تفاصيل الأحداث اليومية، وحدث ولا حرج عن توقعاتهم المستقبلية المضللة للتطورات المحتملة في محيط سيدهم.

التعليق