هل تغيرت فرنسا؟

تم نشره في الخميس 27 نيسان / أبريل 2017. 12:05 صباحاً

جاءت نتائج الانتخابات الرئاسية الفرنسية خارجة عن المألوف لا بل صادمة للمراقبين والسياسيين، والمفاجأة في نتائج الانتخابات تتلخص بفشل الحزبين الرئيسيين (الاشتراكي والجمهوري) اللذين تناوبا على حكم فرنسا منذ أكثر من ستة عقود، في فوز أي منهما في الجولة الأولى ودخول المنافسة في الجولة الثانية التي ستجرى يوم 8/5/2017، ويتنافس فيها على رئاسة فرنسا كل من: مارين لوبان زعيمة الحزب اليميني المتطرف، وإيمانويل ماكرون زعيم حزب "إلى الأمام" مرشح الوسط أو يسار الوسط، بعد أن فازا بأعلى الأصوات في الجولة الأولى.
قد يكون من أهم دلالات هذه الانتخابات هو تخلي الناخبين الفرنسيين عن الطبقة السياسية الرئيسية في فرنسا. وعليه؛ جاءت تعبيراً عن الاحتجاج على السياسة التقليدية للحزب اليساري الاشتراكي والجمهوري اليميني على حد سواء.
لقد فشل كلا الحزبين في السنوات الأخيرة في معالجة المشكلات التي تواجه المجتمع الفرنسي الذي يعاني من أزمة اقتصادية متراكمة ونسبة بطالة مرتفعة، وبخاصة بين الشباب؛ إذ فشل الحزبان في إيجاد الحلول لهذه المشكلات بالوصفات التقليدية.
فضلا عن الفشل الكبير في التعامل مع الإرهاب الذي تلقت فرنسا ضربات موجعة منه في السنوات الماضية من قبل تنظيم "داعش" داخل الأراضي الفرنسية، والشعور بتراجع الأمن في فرنسا التي تعيش حالة الطوارئ منذ ما يزيد على ستة أشهر.
فرنسا قد لا تكون استثناءً في هذه الحالة؛ فهي تعاني من مشكلات مشابهة لتلك الموجودة في الولايات المتحدة وبريطانيا قبل انتخاب ترامب وخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، ومن ثم يمكن اعتبار ما حصل جزءاً من هذه التحولات العالمية.
لقد جاء فوز ماري لوبان في الجولة الأولى صادماً للطبقة الحاكمة؛ كونها تمثل حزباً يمينياً متطرفاً، لذلك، وبعد النتائج مباشرة، تداعت القيادات السياسية للأحزاب التقليدية، وطالبت قواعدها الانتخابية للتصويت لماكرون من أجل قطع الطريق على لوبان، وعدم السماح لها بتحقيق الفوز في الجولة الثانية. هذا التوحد للطبقة السياسية يأتي عطفاً على ما جرى في العام 2001 عندما انحصرت المنافسة في الجولة الثانية بين جاك شيراك وجان ماري لوبن، زعيم الحزب ذاته الذي ترأسه ابنته حالياً عندما تحالفت القوى السياسية، ودعمت شيراك، وقطعت الطريق على فوز جان ماري لوبن.
إذاً؛ السيناريو نفسه يتكرر، إذ باتحاد قوى اليسار والوسط واليمين في دعم ماكرون باعتباره المرشح المنطقي والوسطي، فإن الجميع يتوقع  فوزه. هذا التوقع مبني على التجارب السابقة، ولكن فرنسا تغيرت كما تغيرت أميركا وبريطانيا. لقد خسرت الأحزاب التقليدية جزءاً من قواعدها الشعبية لأحزاب أخرى، فعلى سبيل المثال، استطاعت ماري لوبن أن تحصل على دعم ليس بسيطاً من الطبقة العاملة وجزءاً من الطبقة الوسطى. لم تعد الحدود الفاصلة بين الأحزاب السياسية كما كانت في السابق، فالتحولات العالمية الاقتصادية والسياسية أدت الى تهاوي هذه الحدود.
في الانتخابات الأميركية كان المنطق يحتم فوز هيلاري كلينتون، وكان المنطق يقول أيضاً إن البريطانيين سوف يصوتون لبقاء بريطانيا في الاتحاد الأوروبي، ولكن في كلتا الحالتين ما حصل هو غير المنطقي؛ أي أن النتائج جاءت عكس التوقعات.
قد تكون فرص مانويل ماكرون هي الأوفر حظاً للفوز في انتخابات الجولة الثانية للرئاسة الفرنسية، ولكن فوزه ليس مضموناً بعد، بالرغم من الدعم الذي تلقاه من الطبقة السياسية ومن أطراف عدة في الاتحاد الأوروبي. ولكن يجب عدم الاستهانة بلوبن؛ لأنها أثبتت أنها سياسية محنكة وشرسة بدأت تطرح نفسها بوصفها ضحية، واستقالت من رئاسة الحزب مرحلياً ليس فقط للتفرغ للحملة الانتخابية، وإنما أيضاً لتبعد قليلاً عن حزبها المتطرف، وتقترب جزئياً من اليمين ويمين الوسط لاستمالة الناخبين من تلك التيارات السياسية.
نتائج الانتخابات سوف تقرر من هو رئيس فرنسا المقبل، لكنها أيضاً توضح حجم التغيير الذي حصل في فرنسا.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »فاطمة (اعادة ترسيم فرنسا)

    الخميس 27 نيسان / أبريل 2017.
    لقد وضعت الانتخابات الحالية فرنسا محل اهتمام الكثير من المراقبين والمهتمين السياسين وذلك للظروف الحرجة التي تمر بها البلاد مما له دور كبير في تحديد مصير فرنسا كعضوة في الاتحاد الاوروبي اذا بقي الحال كما هو بالنسبة لقضايا اللاجئين والامن او البطالة التي بلغت نسبتها حالبا الى 10% وهو من اعلى معدلات البطالة في الاتحاد الاوروبي