د.أحمد جميل عزم

بين "النازية" و"الناتزية"

تم نشره في الخميس 27 نيسان / أبريل 2017. 12:04 صباحاً


قد لا يوجد رئيس أميركي لديه ارتباط باليهود واليهودية كما دونالد ترامب، ورغم ذلك وجد من يشكك فيه، أو في فريقه، ووجد من يلمح لشيء من اللاسامية لديه أو لدى فريقه. ورغم كل الدعم الألماني لإسرائيل للتكفير عن مذابح الهولوكوست، خيّر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وزير خارجية ألمانيا، بين أن يلتقيه أو يلتقي جمعيات إسرائيلية يهودية معارضة. وفي الحالتين؛ الاتهامات لترامب، ومن حوله، والتعنت بوجه وزير الخارجية الألماني، فإنهما مؤشر على رفض الفئة المسيطرة على السياسة الإسرائيلية، وجزء من اللوبي الإسرائيلي في الولايات المتحدة الأميركية، إبداء أي استعداد لسماع أي صوت مخالف، حتى لو كان يهودياً أو صهيونياً، وكذلك فإنّ هواية وورقة الاتهام للآخرين باللاسامية، تبقى ممارسة مشهرة في وجه أي كان.
ألقى ترامب، الذي اعتنقت ابنته اليهودية، والذي جاء بعدد من أهم مستشاريه من اليهود الصهاينة الداعمين والمشاركين في الاستيطان الإسرائيلي، خطابا في الذكرى السنوية للمحرقة النازية أبدى فيه موقفاً قويا جدا في التعاطف مع اليهود، والتعهد بحمايتهم، وقال العبارة التي يقولها الصهاينة منذ ما بعد الحرب العالمية الثانية "لن تحدث ثانية"، وقال "نحن نندب، نتذكر، نصلي، ونتعهد: لن تحدث ثانية. أقول لن تحدث ثانية". ورغم هذا أثار قادة يهود في الولايات المتحدة احتجاجات في الآونة الأخيرة، إحداها أن مسؤول الاستراتيجيات في إدارة ترامب ستيفين بانون، ربما لديه موقف ضد اليهود، وذلك بالاعتماد على قول زوجته السابقة إنّه أدلى بتعليقات مناهضة لليهود، (كما تقول نيويورك تايمز). وأن نائبه سباستيان غوركا، لديه علاقات مع جماعات يمينية أوروبية. وعارض البعض مشاركة ترامب في ذكرى المحرقة هذا الأسبوع، وتساءلوا لماذا لفظ النازية (Nazi) بحرف "الز" وليس كما تلفظ عادة (Natzi)، دون أن نعرف الفرق. أو ربما لتوجيه رسالة، أننا لن نتسامح بحرف واحد. وقبل ذلك، كان بيان للبيت الأبيض عقب تولي ترامب مهامه في مطلع العام، أثار الغضب اليهودي لأنه أدان المحرقة النازية، واستذكرها دون الإشارة تحديداً أن اليهود هم ضحاياها، وغضبوا ثانية عندما قال سين سبيسر، الناطق باسم البيت الأبيض، "إن من السخف الانتقاء والتوقف، عند خطاب تذكر الهولوكوست، والاعتراف بكل الذين استهدفوا فيها، اليهود، والغجر، والقساوسة، والمعاقين، والمثليين والمثليات جنسيا".
بالتزامن مع هذه "المماحكات" ألغى نتنياهو، لقاء مع وزير الخارجية الألماني، سيجمار جابرييل، كان مقرراً الثلاثاء، رغم وصول الوزير فلسطين لهذا الغرض، وذلك بسبب نيته لقاء جمعيات غير حكومية إسرائيلية يهودية، تنتقد السياسات الإسرائيلية ضد الفلسطينيين، مثل "بيتسيلم" التي تعنى بتوثيق الاستيطان واعتداءات المستوطنين، وجماعة كسر الصمت، التي تتكون بالأصل من جنود إسرائيليين يحتجون على التنكيل بالفلسطينيين ويوثقون ذلك ويمتنعون عن الخدمة العسكرية.
كان رد الوزير الألماني، مختلفا نسبيا عن ترامب؛ فهو اعتبر "إنذار" نتنياهو مؤسفا، وقال "ولكن الغاء اللقاء ليس كارثة"، في تقليل من شأن الأمر. والغريب أن نتنياهو يعتبر من غير اللائق مقابلة الوزير لفئات يهودية تحمل رأيا مخالفا، رغم أنه هو ذهب دون دعوة ودون تنسيق مع الرئيس الأميركي السابق، باراك أوباما، وتحدث في الكونغرس الأميركي ضد الاتفاق الذي أبرمته الولايات المتحدة مع إيران. وقال الوزير الألماني، "تخيلوا أن رئيس وزراء إسرائيل... يأتي إلى ألمانيا ويريد مقابلة أناس ينتقدون الحكومة ونقول إن هذا غير ممكن.. هذا أمر لا يمكن مجرد التفكير فيه". 
جاء موقف نتنياهو هذا رغم أنّ هذا العام يشهد لأول مرة مشاركة مسؤولين ألمان في ذكرى الهولوكوست، في متحف مقام لهذا الشأن في الجليل. ورغم أن جابرييل قال قبل تحذير نتنياهو إن علاقة ألمانيا مع إسرائيل "هدية حقيقية"، وقوله إن ألمانيا ملتزمة بالاعتراف "المسؤولية الأخلاقية" لحفظ الذكرى التاريخية للمحرقة.
هذه السياسة الإسرائيلية يمكن تسميتها "صفر تسامح" مع أي معارضة أو انتقاد، وهي تجسيد للإعلان الصريح أنّ الإسرئيليين يرون أنفسهم فوق النقد، حتى لو جاء منهم أنفسهم، أو من أقرب المقربين. وفي حال حاول أكثر أصدقائهم قرباً انتقادهم، يمكن أن يتهم بأنه لاسامي، وكاره لليهود، فإذا كان يهودياً يتهم أنه كاره لنفسه. 

التعليق