الحضور الإلهي في عالَم الشهادة

تم نشره في الجمعة 28 نيسان / أبريل 2017. 12:00 صباحاً

معاذ بني عامر

أين موقع الإله بالنسة للإنسان؛ تحديداً لإنسان العصور الآنية، بما فيه الإنسان المُستقبلي؟. الإنسان المُؤَتْمَت، المُحَوْسَب، الذي قفز قفزات هائلة – لا سيما في العقدين الأخيرين بفضل مُنجزات العلم والتطوّر الكبير في التقنيات والبرمجيات الحديثة- في فكّ الإشكال الزمكاني، الذي أقلق راحة الفلاسفة لزمن طويل، وذلك عبر استحداث منظومة متطورة من شبكات الاتصالات والمواصلات، ساهمت في قلب الوجود الإنساني رأساً على عقب، وأحدثت نقلة نوعية في آليات التعامل مع الوجود ومقتنياته؟.
هذا السؤال، أعني حضور الإله في الاجتماع الإنساني، أحد أكثر الأسئلة المعرفية حضوراً في المخيال الإنساني، سواءً –من جهة- أتمّ التعبير، أو استكناه محتواه. وسواءً -من جهة ثانية- انبثق هذا السؤال في مجتمع مؤمن بإله ما، أو غير مؤمنٍ بأي إله. وسواءً –من جهة ثالثة- أتمَّ التأكيد على حضور الإله الشامل في هذا العالَم، ابتداءً من صُغرياته اللامرئية وليس انتهاء بكبرياته المرئية. فعالمي: الميكرو micro والماكرو macro، وما بينهما من موجودات لا حصر لها، هُمَا في قبضة الإله، من وجهة نظر المجتمعات المؤمنة؛ لذا ثمة رسوخ إيماني في أساسات هكذا مجتمعات، سَيُموضع الإنسان الخاضع لأنماط هاتِهِ المجتمعات، في ثابتٍ وجودي سينظر إلى الإزاحات الحضارية كتجلٍ لإرادة الإله القدير.
أما تلك المجتمعات غير المؤمنة، فترى أنَّ العمران البشري منوط بالإنسان أولاً وأخيراً، وما تلك المُنجزات الحضارية التي نشهد تسارع وتيرتها لحظة اثر لحظةٍ في عالمنا المعاصر، إلا كإبداعٍ إنساني صرف، بعيداً عن أيّ تدخلات غيبية. فالإنسان هو سيد الوجود والمُتصرّف الحقيقي في مقتنياته.
وبين هذي وتلك، ثمة شجن إنساني مُتعاظِم في التحكّم النهائي والأخير بمجريات هذا الوجود من ناحية، والتعالي –من ناحية ثانية- على شرط الضعف الإنساني المُحكوم بالفناء والموت والعَدَم، والتموضع في نسقٍ الحاجة إلى القوة المُطلقة، بصفتها الحامي الأكبر للوجود الماورائي للإنسان. ففي الماضي؛ الآن، وفي المستقبل، سيكون ثمة جدل هائل ومُتعاظم بين فُرقاء كُثر حول مآلات الوجود الإنساني في هذا العالَم، والقدرة التي تنطوي عليها المُدونة الإلهية لإلهٍ حاضرٍ في الاجتماع الإنساني، ولديه القدرة على زحزحتها أنَّى وكيف شاء، أو تلك المُدونة التي تنطوي على انحسار لتدخّل الإله في الاجتماع الإنساني. إذ سيتعاظم الجدل حول هاتِهِ المسألة الإشكالية التي قضّت مضجع العقل البشري منذ بداياته الأولى، وما تزال.
فلقد كان لجملةٍ من الأسئلة أن تبرز ضمن هذا السياق، مثل:
هل يُمكن للإنسان أن يصل إلى مرحلة الخلاص النهائي، بحيث يتوصّل إلى صيغة عقلية يتحكّم عبر معادلتها بـ صُغريات هذا الوجود وكُبرياته، دونما حاجةٍ إلى إسناد من القوة المُطْلَقة؟. أم إنّه سيخضع بشكلٍ كاملٍ لأطر دينية، لا ترى سبيلاً للخلاص الدنيوي والأخروي، الا بالامتثال لتعاليم الإله –كل حسب إلهه- النافذة في هذا هذا العالَم؟.
هل ساعد العلم الحديث والثورات المعرفية المتواصلة، في كثير من الحقول العلمية، في فصل الإنسان عن لاهوتياته ودمجه أكثر ضمن سياق دنيوي صِرف، سينشغل فيه عن كل ما سواه. أم إنه سيدخل في عزلةٍ وجودية كبيرة، لا سيما بعد أن انفصل عن سياقاته الأسرية والاجتماعية والوطنية والأيديولوجية والدينية، وبدأ وعيه يتشكّل –بسرعةٍ ناعمة- من خلال الحاسبات والهواتف الذكية والآيبادات...الخ؟.
وبالمرة، هل سيتمكن الإنسان من استبعاد الإله من العالَم الزمكاني، بحيث يصير هو المُتحكّم الرئيسي بمفاصله ومفصلياته؟.
والسؤال الأكثر إشكالية هَهُنا: مَنْ هُوَ الإنسان الذي سيتحقّق في هذا النسق الجديد، ولماذا هو تحديداً؟.
وفي محاولة للإجابة –ولو تقديراً- عن هذه الأسئلة، أو بعضها على الأقل، فإني اجتهد فأقول:
في حال تمَّ الخلاص إلى مرحلة قارّة وغير قابلة للزحزحة العقلية، أي انتهاء ناموس الجدل الإنساني، فهذا مؤشّر خطير على انتحار الإمكان الإنساني التأسيسي، لناحية انتقاله من وضعٍ (صيروري) إلى وضع (كينوني). فالمقدرة على إحداث خَلَل حضاري كبير ستكون آنذاك معدومة، نظراً لانعدام المجال الحيوي الذي يمكن للإنسان أن يتحرّك على أرضه، فالأسّ الذي يقوم عليه العقل البشري هو أسّ غير قارّ وغير ثابت، لذا هو متموضع في (الصيرورة) لا في (الكينونة). فالجدل بين النقائض والحرارة القادحة بفعل هذا الجدل، هو الاستبصار الأكبر للإنسان في هذا العالَم. وبناء عليه تقوم قيامته الحضارية، حتى وهي تُجادل وتُساجل حول حضور الإله في الاجتماع الإنساني من عدمه.
لذا سيبقى السؤال حول الإله وحضوره من عدمه في تسيير مُجريات الوجود الإنساني، سؤالاً مفتوحاً على جدلٍ غير مُتناهٍ، في الوقت الحالي، ليس لأنّ هذا السؤال ينسجم مع مقتضيات الاجتماع الديني، بل لانسجام هذا الطرح مع مقتضيات العقل البشري أساساً، كما أشرتُ آنفاً. فالعقل من حيث هو التقاء بين سلب وإيجاب، بين الضدّ وضدّه. فهو إذ يُثبت فإنه ينفي، وإذ ينفي فهو يُثبت، ففي الوقت الذي يركن فيه إلى مُسلّمات الأديان، فإنه ينفي هذا الركون باللجوء إلى مواضعات شكّ منهجي. وفي الوقت الذي يُريد أن يبتّ فيه بالحضور الإلهي في الاجتماع الإنساني، بتّاً نهائياً، تنتابه بعض الشكوك والمخاوف، التي تُطيح بذلك الحضور، وهكذا دواليك، بما يُبقي على جذوة النار الحضارية مُشتعلة، إلى أن تأذن بالأفول والخراب، ساعتها ينتهي وضع الإنسان الجدلي، ويبدأ شطراً جديداً من حياته، لا معنى فيه إلا للخمول والكسل.
 وعليه، فثمة استنطاق –في الرحلة الوجودية- لإمكانات الكائن الإنساني، تحديداً الإمكانان: اللاهوتي والناسوتي؛ المرئي واللامرئي، الديني والدنيوي. فما رحلة الإنسان –بدءاً- إلا تجسيد لتلك الإمكانات، فهو إذ يستحضر الماضي أو الحاضر أو المستقبل، فلا فِكاك من استحضار هذه الإمكانات، سواء أَقَبِلَهَا أم رفضها، فهي عنصر مُؤسِّس له وجودياً، وبما أنها كذلك فستبقى مثار جدل ونقاش وحوار.

التعليق