محمد برهومة

تعقّد أدوار الوساطة

تم نشره في الجمعة 28 نيسان / أبريل 2017. 12:06 صباحاً

جاءت حادثة الإفراج عن الصيادين القطريين المختطفين في العراق لتقدّم صورة مكثفة عن تحولات وتعقيدات المشهد الإقليمي وتداخل ملفاته وتعدد اللاعبين وكثرة تناقضاتهم.
الأردن ودول مجلس التعاون هنأت الدوحة بعودة مواطنيها وانتهاء مأساتهم، والواضح أنّ هُوية المختطَفين، ومنهم شيوخ قطريون من آل ثاني، أكسبت العملية خصوصية كبيرة، جعلتْ الإفراج عنهم صفقة إقليمية معقدة، دخلت في كواليسها الدوحة وطهران وبغداد ودمشق والكويت والرياض، وجهات حزبية ومليشياوية على رأسها حزب الله اللبناني وحركة النجباء وحزب الله العراقي وحركة أحرار الشام وجبهة النصرة. وبعض المختطفين من عائلات ممتدة (آل المري) في قطر والسعودية والكويت، ولعل هذا كله يفسّر ضخامة المبالغ التي طلبها الخاطفون.
حادثة الإفراج اندغمت بقوة مع الملفات الإقليمية المشتعلة، وفي صدارتها الملف السوري، ولقد جاءت قضية المختطفين من منطقة في جنوب العراق تسيطر عليها مليشيات شيعية، لتُسهّل الصفقة الأساسية المتعلقة بـ"صفقة البلدات الأربع: كفريا والفوعة ومضايا والزبداني". واللافت أن أضعف الأدوار في هذه الصفقة كانت على ما يبدو من نصيب دمشق وبغداد.
دلالة ذلك كله تؤشر إلى الكثير مما قد يقال عن مفاهيم السيادة الوطنية وتقزّمها، وعن الحروب بالوكالة ودور الفاعلين من غير الدول المتعاظم في المنطقة، وصعوبات تعاطي الدول مع الجماعات والمليشيات المسلحة، وفشل الدولة الوطنية وتراجع الولاية العامة للحكومات، وتزايد العناصر التي تحدّ من قوة الدول، وتعقّد أدوار الوساطة والدبلوماسية، واشتداد الحاجة لأطر مؤسساتية قوية وفعالة للأمن الجماعي وتعزيز الاستقرار الإقليمي ومواجهة الإرهاب العابر للدول والوطنيات. بعض هذه الملفات همٌ دوليٌ، لكنها في منطقتنا أكثر إلحاحاً وضراوة.
والصحيح أنه لم تكن الديمغرافيا والجغرافيا والاجتماع والهويات، (وبالتالي السياسة) في منطقتنا في أحسن أحوالها يوماً، كانت دوماً ثمة اختلالات وظلامات وسوء تقدير في تأسيس الدول والمجتمعات، لكنها اليوم في أشدّ حالاتها تأزماً، ولو سألتَ السوريين والعراقيين والليبيين والفلسطينيين واليمنيين... هل تعلمتم الدروس والعِبَر الكافية من تجاربكم الوطنية وحروبكم الداخلية المُرّة، التي، أي الدروس، ستعصمكم من ألاَ تكرروا تلك الحروب مستقبلاً، لكانت الإجابة: لا، أو ليس بما فيه الكفاية !!
إذاً، ليس كثرة الدم المُسال في ربوعنا العربية بكافية وحدها لنتعلّم الدروس، ونحلم بمستقبل مشرق لمنطقتنا، لأنّ ما يحقق ذلك أن نغدو بعد سيل الدماء الجارية أكثر حرية وأكثر إنسانية وأكثر عدالة وأكثر عقلانية. وللأسف لقد أخفقت الحكومات والمجتمعات على حدّ سواء في تحقيق ذلك... الإعمار.

التعليق