د.باسم الطويسي

إعادة تعريف الأديان

تم نشره في السبت 29 نيسان / أبريل 2017. 12:07 صباحاً

بدأ  البابا فرانسيس زيارة قصيرة الى مصر؛ هي أول زيارة لبابا الفاتكان منذ العام 2000 بعد زيارة البابا يوحنا بولس الثاني، وتأتي هذه الزيارة في لحظة تاريخية حرجة بعد سنوات من الاعتداءات الإرهابية التي شهدتها الكنائس المصرية وآخرها تفجير كنيستين في الاسكندرية وطنطا في أحد الشعانين في التاسع من الشهر الحالي، ومن المقرر ان يلتقي البابا بشيخ الأزهر ويوجه كلمة في مؤتمر لحوار الاديان ينظمه الازهر، وسيشارك في قداس كبير لأرواح ضحايا تفجيري الكنيستين. وفي كلمة متلفزة وجهها الى الشعب المصري بدأها بالتحية "السلام عليكم" باللغة العربية، قائلا إنه يزور مصر "حاجا إلى الأرض التي قدمت منذ أكثر من ألفي عام ملجأ وضيافة للعائلة المقدسة".
المهمة الكبرى في إعادة تعريف علاقة الاسلام والمسلمين المعاصرين بالأديان الاخرى، لا يقدر عليها إلا مصر، وبالأحرى لا تستقيم إلا بوجود مصر، للأسف مصر مكلومة في هذا الجانب، ولكنها تبقى الجهاز العصبي الفعلي الذي يعطينا الرسائل والإشارات عن حجم العافية والاختلالات، سواء في حياة الناس وقدرتهم على العيش المشترك أو في سلامة الفكر،  في الوقت الذي يشهد فيه العالم موجة عالية من  التصنيع السياسي للأديان والأفكار.
على الرغم من الزيارات المتكررة لبابا الفاتكان للعالم العربي والإسلامي، هناك شبه قطيعة  في المقابل، فالمراجع الدينية الاسلامية نادرا ما تبادر للفعل ذاته، واول زيارة في التاريخ لشيخ الازهر الى الفاتيكان جرت في العام الماضي 2016 وقام بها شيخ الازهر الحالي الدكتور احمد الطيب. في المقابل، لم نسمع عن زيارات للقيادات الدينية الاسلامية الاخرى. هذا الواقع يطرح السؤال الكبير حول حقيقة حوار الاديان وحجم تقصير العالم الاسلامي في هذا الشأن. لماذا تراجع الحوار الإسلامي والعربي- الأوروبي في بعديه؛ الحضاري والديني، لصالح العبث السياسي؟  لقد ترددت شكوى أوروبية خلال السنوات الماضية رددها مفكرون وسياسيون أمثال (الامير تشارلز، وجيمس بسكاتوري، ومانويل ماران) تتحدث عن أحادية الحوار وافتقاد أي مبادرة من الجانب العربي والإسلامي تحرك المياه الراكدة شرق المتوسط وجنوبه، الأمر الذي يحول العلاقة، او ما يسمى بالحوار الحضاري، الى نوع من الوصاية واستمرار الهيمنة.
 إن المسيحية الكاثوليكية والإسلام اكبر دينين سماويين في الانتشار الجغرافي والأتباع في العالم، وهما اكثر من يملك مرجعيات دينية مؤسسية قادرة على بناء قواعد للحوار، وهما اكثر من يملك خبرة مؤلمة في التاريخ بالحروب التي مررها السياسيون والتجار باسم الأديان والعقائد والأفكار، وفي اكثر من مرة في التاريخ كان المسلمون يملكون جرأة المبادرة والمبادأة، فهل يبدو المسلمون اليوم اقل تسامحا من أجدادهم؟ والسؤال المركزي الذي يطرح في أجواء الاختناق المعنوي: هل المؤسسات الإسلامية الكبرى الممتدة من المجامع الفقهية والأزهر الشريف والمرجعيات الدينية والحركات الأهلية وعلى رأسها التنظيم العالمي للإخوان المسلمين الرافضة لمنطق صدام الحضارات والرافضة لما يسمى بالإرهاب الإسلامي قادرة كلها أو بعضها على طرح مبادرة إسلامية بحجم التحدي الراهن لفتح حوار حقيقي مع الغرب يبدأ بالكنيسة الكاثوليكية.
تزداد اهمية إعادة ميلاد حوارات حضارية جديدة حول الاديان والافكار والعيش المشترك حول المتوسط في الوقت الذي تتعرض فيه المسيحية العربية لأكبر محاولة اقتلاع منذ قرون طويلة، هدفها الأساسي تفريغ الشرق العربي من مواطنيه الأصليين. إن أكبر مهمة أخلاقية يمكن أن يقوم بها مسلمو المشرق العربي اليوم تتمثل بخوض معركة حماية المسيحية في المشرق العربي والعيش المشترك والحوار الدائم والرموز والتراث.. إنها حماية للإسلام الحقيقي.

التعليق