هل نحن أوفياء حقا لمبدعينا؟

تم نشره في الأحد 30 نيسان / أبريل 2017. 12:00 صباحاً

يرحلون، فنذهب لمواقع التواصل الاجتماعي، نكتب سطرا، جملة عنهم، ثم نتفقد أعصابنا بهدوء ونحن نعد عدد الاستجابات لما كتبناه، نفرح اذا كان العدد قريبا من التوقع، أو أكثر، ونذهب في غيبوبة الرضا، مطمئنين الى أننا قمنا بالمهمة على أكمل وجه، بإنصافهم، وأعني العلامات الضافية من علماء وكتاب وفنانين وشخصيات أثرت حياتنا.
طبعا، أسطوانة أننا لا ننتبه الى من يرحلون من مبدعينا، الا بعد أن نسمع بخبر وفاتهم، مشروخة، ومكررة؛ إذ إننا ننتبه الى رحيلهم لبرهة، ثم نطوي الصفحة، وننتقل لأمر آخر، من باب أنها سنة الحياة، فمن رحل رحل، وقد أولينا الاهتمام له ساعة الرحيل، وكرمناه ببعض التذكارات، وكان الله بالسر عليما.
في نحو شهر تقريبا، رحل عن عالمنا العبقري علي نايفة، وهو قامة علمية رفيعة، ليست على المستوى الإقليمي أو العربي، بل العالمي، لحقه الشاعر أحمد دحبور، وهو أحد أبرز شعراء الحداثة العربية، تلاه القاص خليل قنديل، أحد الأسماء اللافتة في القصة القصيرة المحلية والعربية. ناهيك عن أسماء أخرى رحلت، بعضها ترك أثرا وبعضها ترك أعمدة من الضوء، نستنير بها في عتمة هذا الزمن الموحش. ومع رحيلهم تنطوي صفحة مشرقة من تاريخنا المحتشد بالصفحات الباهتة.
فهل نحن أوفياء كما نزعم؟ هل حقا ما نزال نحتفظ بقيم النبل والكرامة التي تغنى بها شعراء منا، نسينا أسماءهم؟ وهل قيمة الوفاء التي نتبجح بأننا أهل لها، أضحت مجردة من ملابسها، وتسير عارية بيننا؟
لا عليكم، يجب أن نعترف بأننا غير معنيين بالإبداع، ولا علاقة لنا بالتحضر، ذاك أن الوفاء للمبدعين، العلامات التي تغير الواقع، وترسم للأجيال طريق المستقبل، يُهدر الانتباه لها، وإن حدث وأن انتبهنا، فذاك لا يحدث الا في مناسبة.
كل الشعوب التي تعرفونها، وفية لمبدعيها، حتى تلك المتخلفة، القابعة ربما في مجاهل العالم، تنظر الى علمائها وشعرائها وحكمائها وفنانيها نظرة احترام وتبجيل، في حياتهم وفي مماتهم، بل تحفظ لهم منجزاتهم.
دعونا نتذكر بعضا ممن رحلوا عنا ونرصد حالة الاهتمام بهم، سنكتشف أننا لسنا مقصرين بحقهم فقط، بل وناكرون للجميل، فثمة شعراء رحلوا، وتركوا إبداعات لم تنشر، فقدت مع النسيان، وأغفل أصحابها، وكذلك علماء قدموا للبشرية أعمالا فذة، لم نعرفهم الا حين وفاتهم، وكتاب نهشهم المرض في حياتهم، وعاشوا أيام فاقة وعوز لا ترحم، من دون أن تتوجه اليهم أي نظرة عون، أو أن يقف الى جانبهم أحد.
فما هي قصتنا مع القيم، تلك التي نتبجح بأننا أبطالها، ومن يقينا هذا الخراب الأخلاقي الذي لا يحدث الا لدى الأمم التي تقترب من الانقراض؟

التعليق