علاء الدين أبو زينة

أوضاع العمل.. أفق شاحب..!

تم نشره في السبت 29 نيسان / أبريل 2017. 11:08 مـساءً

في الوضع الطبيعي، يتطلع العاملون إلى تحصيل مزيد من الامتيازات وتحسين الأجور وظروف المعيشة. لكن هذه التطلعات تتأجل إذا أصبح مجرد الحصول على عمل أو الشعور بالأمن الوظيفي امتيازات في ذاتهما. ويعني واقع كهذا أن واقع العمل والعمال ليس بخير. ويعني في الإطار الأوسع أزمة مجتمعية تطال الجميع، من الشباب العاجزين عن الانطلاق بأمل في رحلة الحياة، إلى الآباء القلقين على أحوال أبنائهم والمثقلين بالأعباء التي لا تنتهي.
في وقت سابق ليس ببعيد، كان تعليم الأبناء وتأهيلهم تذكرة معقولة للحصول على وظيفة لا بأس بها. وحتى المهني –النجار أو حداد الطوبار أو المهني المساعد الذي يحمل الإسمنت على كتفه- كان يتدبر أمور معاشه ويتزوج وينشئ أسرة. ولم يكن الجميع أغنياء، لكنّ مستويات الناس المعيشية كانت متقاربة ومتطلبات الحياة أقل. ومع أن البلد لم يكن يمتلك في تلك الأوقات ثروات وموارد طبيعية نضبت الآن مثلاً، فإن الناس لم يكونوا يشعرون بثقل البطالة كظاهرة، مثلما يحدث اليوم.
لا شك أن المتغيرات الدولية والاقتصاد المعولم يؤثران على كل بلد مهما كان حجم اقتصاده وكيفياته. لكنّ هناك عنصراً يتعلق أيضاً بالقرارات والاختيارات الاقتصادية والتخطيط المجتمعي للبلدان. وفي هذا الإطار، يحيل الكثيرون وضع العمل والعمال الحالي في البلد إلى قصور ما في التخطيط بعيد الأمد. ومثلما فشل الذين خططوا شوارع وسط عمان في تقدير حجم الضغط عليها بعد ثلاثة أو أربعة عقود، لم يضع المخطِّط الاقتصادي في تلك الأوقات تصوراً لشيء استراتيجي يذهب بالأردن نحو تقليل الاعتمادية على المساعدات وتحويلات المغتربين، وتطوير قطاعات منتجة بالإمكانات المتاحة. وبالتدريج، تحولت مهمة مديري الاقتصاد الوطني إلى مجرد إدارة للأزمة، دون العثور على نقطة بداية للخروج إلى ضوء واضح في نهاية النفق.
الآن، والعالم كله مشغول بالتطرف ورفيقه، الإرهاب العنيف، يتحدث الجميع عن البطالة والفقر كدوافع مهمة للتطرف. وعندما انطلقت الانتفاضات العربية قبل نحو ستة أعوام، كان شعار "الخبز والكرامة" مرفوعاً في المقدمة. لكن الوجهات لم تذهب في معظم المنطقة إلى التعامل مع هذا المطلب المشروع بتعاطف، بقدر ما ذهبت إلى إسكات صوت الشعوب، وتخويف الناس باحتمال الفوضى، والمزيد من الضغط الاقتصادي عليهم دون أي وعد بانفراج.
تعرف الشعوب بالغريزة العلاقة بين الخبز والكرامة والحرية. لا يمكن قطعاً الحديث عن إنسانٍ حُرّ بينما يُثقله العوَز وتكبل يديه الحاجة. إنه لن يكون حُراً حتى في دخول مطعم معقول أو شراء كتاب يعجبه، ناهيك عن تنفيذ مشروعات شخصية مهمة، مثل إنشاء عائلة أو الوفاء بالمتطلبات الأساسية لأولاده. ولا يجوز أن نتوقع الإيجابية من شاب جلس سنوات على مقاعد الدراسة، فقط ليصبح متبطلاً بلا غاية ولا إمكانية للإنفاق على نفسه –ليس لقصور أو كسل فيه.
إذا أردنا أن نسند إلى فكرة العمل والعمال أهميتها الحقيقية، فإن ذلك يعني تجاوز البروتوكولات والاحتفاليات التي بلا معنى في مناسبة "عيد العمال" ومكافأة الناس بعطلة، بما تعنيه العطلة من التوقف عن العمل. وبالنسبة لنا في الأردن بالتحديد، تكاد قيمة العمل تكون الثروة الوحيدة في البلد. ويعني وجود عدد كبير من الباحثين عن عمل، أو الاضطرار إلى مزاولة أعمال سيئة المردود أو لا توفر الأمن النفسي والمادي، أن تكون آلة المجتمع كله مصابة بالخلل وإمكانية التوقف.
إن ما يريده الناس -غير عطلة يوم في السنة، أو إقناعهم بتقبل إجراءات التقشف- هو أن تُعرض عليهم أفكار آملة، تشرح لهم كيف أن أحوالهم ستتغير إلى الأفضل في وقت معقول. وينبغي أن يكون الهدف هو فتح الآفاق أمام الشباب للانخراط مباشرة في حياة عملية منتجة وواعدة. ويجب أن يشعر العامل بأنه ليس عرضة لخطر تسريحه أو مواجهة استغلال صاحب العمل، بذريعة أن البديل غير متاح، بحيث يعيش مع قلق إضافي إلى جانب ارتفاع كلف العيش.
هذه هي المهمة الملحة والاستراتيجية التي يجب أن تخاطبها الحكومات، والتي يجب أن تُرشد السياسات إذا كان ثمة حرص على البقاء على قيد الحياة. وحتى ذلك الحين، ستبقى الغيوم القاتمة التي بلا ألوان هي المشهد المقيم في أفق المواطنين. 

التعليق