د.باسم الطويسي

إعادة التوازن للحياة العامة

تم نشره في الأحد 30 نيسان / أبريل 2017. 12:07 صباحاً

في آخر عامين ازداد العمل الرسمي على خط محاولة استعادة الثقة في العمل العام وفي أداء مؤسسات الدولة، بعد سنوات من تراجع في ثقة الناس في المؤسسات والنخب الرسمية، وضرب مصادر الثقة العامة، وهو الأمر الذي تم التعبير عنه وعبر الخطاب الرسمي للدولة في أكثر من مناسبة، وأبرز مظاهر هذه المحاولات التي ما تزال أقل من الحد الأدنى المطلوب، محاولة استعادة هيبة القانون ودوره في مجالات محددة وضبط مظاهر الاختلالات والفوضى والوصول إلى مناطق كانت توصف بأنها خارج سيطرة ونفاذ القانون، كما أخذت الدولة وفي قطاعات محدودة ايضا الدفع بشخصيات موثوقة من خارج النادي التقليدي للنخب الرسمية في مواقع تنفيذية مهمة وبعضها في قطاعات تحتاج إصلاحات حساسة.
لن يجدي كثيرا، ولن يلمس الناس الفرق، اذا بقيت هذه الاصلاحات محدودة وانتقائية، بل حان الوقت ان ينتقل مسار استعادة الثقة العامة الى المجال العام وتحديدا إلى مؤسسات المجتمع المدني والنقابات. لقد مضى زمن طويل من محاولات التدخل والدعم والمساندة الرسمية لمؤسسات ونخب في المجال العام المدني لم تخدم المصلحة العامة بالعمق، وحان الوقت ان ينقل المسار الرسمي في العلاقة مع المجال المدني والنقابي الى منظور إصلاحي وطني يمنح البعد التنموي أولوية على الأبعاد الأخرى ويقلل من الحساسيات التقليدية، فهذه القطاعات مصدر مهم لاستعادة الثقة العامة وتعد مصدرا ثريا لإعادة التوازن للحياة العامة.
جاء قرار المحكمة الدستورية قبل أقل من عامين، الذي أجاز للموظفين في القطاع العام إنشاء نقابات خاصة بهم، لينهي الجدل والغموض اللذين صاحبا مطالب العديد من الفئات الوظيفية، خلال السنوات الأخيرة، بإنشاء تنظيمات نقابية، رغم أن إنشاء نقابة المعلمين يعد عمليا سابقة كان من المفترض أن تزيل هذه الغشاوة. فإصلاح التشريعات النقابية والأخرى المرتبطة ببقية جسد المجتمع المدني،  سيشكلان إضافة نوعية للتحديث والتنمية والإصلاح، وتحديدا الإصلاح السياسي، حينما نربط الحقوق والحريات والتنظيمات بالقاعدة الإنتاجية.
  يمكن أن يقال الكثير حول الخبرة الأردنية على صعيد دور النقابات المهنية والعمالية، لكن الأهم هو الدور الإصلاحي المنتظر ببناء تنظيمات نقابية أوسع وأقوى، وأكثر ارتباطا بأجندة تنموية وسياسية محلية. لقد نشطت النقابات المهنية الأردنية خلال عقد التسعينيات مع بداية التحولات الديمقراطية، واستطاعت ملء الفراغ التي تركته التنظيمات السياسية، وعلى رأسها الأحزاب التي عانت وما تزال من أمراض مزمنة، ما فتح الباب أمام النقابات لتشكل فاعلا سياسيا أساسيا في مقدمة مصفوفة المعارضة، وجعلها في الواجهة لفترة زادت على عقد ونصف العقد. وقد دفعت الثمن على المستوى التنظيمي وعلى المستوى الفردي لبعض الناشطين النقابيين. بالنتيجة، تراجع وهج النقابات، وأخذ دورها السياسي بالاضمحلال، وهو ما لاحظناه في ضعف دورها في الحراك الشعبي، خلال السنوات الماضية، الذي يرتبط بعوامل عديدة.
أمام المجتمع المدني والنقابات فرصة لتشكيل نواة لجماعة وطنية ديمقراطية عابرة للتيارات السياسية والأيديولوجية، تؤمن بالديمقراطية وتؤمن بالدولة الأردنية ومنهجها وبرنامج عملها؛ وأمامهما فرصة للمساهمة في استعادة الثقة والتوازن في العمل العام وان تستفيدا من أخطاء الماضي.
علينا الاعتراف أن المجال العام المدني والنقابي قد أصيب بالعديد من العلل، ويمر حاليا في حالة من الاسترخاء وهذا لا يخدم الأجندة الإصلاحية للدولة الأردنية؛  فالأساس المهني والسياسي والاجتماعي هو ما يمكن أن تبني عليه مؤسسات المجتمع المدني والنقابات دورها المستقبلي في ضوء التوسع والانتشار المتوقَعَين. ولا يجب أن يُطلب منها التخلي عن أحد هذه الأسس. وإذا ما استطاعت بناء معادلة وطنية جديدة، فهي مرشحة للعودة بقوة إلى الحياة العامة.

التعليق