جميل النمري

عيد العمال صدى مجد غابر

تم نشره في الأحد 30 نيسان / أبريل 2017. 11:08 مـساءً

لم يعد في الأول من أيار تلك النكهة القديمة. اختفت الاحتفالات والمسيرات الكبرى في العواصم يرفرف فوقها بحر من الرايات الحمراء ويصحبها هدير الأناشيد الثورية. لم يبق سوى المكسب القديم بعطلة رسمية واحتفالات ضيقة باهتة وخطابات باردة، وها نحن في الأردن قدمنا العطلة يوما لتجسيرها مع نهاية الأسبوع لتستفيد العائلات من إجازة أطول.
تقرر عيد العمال رسميا في مؤتمر الاشتراكية الدولية في العام 1904 في امستردام، وكان يتم الاحتفال بهذا اليوم إحياء لذكرى عمال شيكاغو الذين هاجمتهم الشرطة بعد سلسلة إضرابات ومظاهرات فقتلت أعدادا، وفوق ذلك اعتقلت ثم أعدمت عددا آخر بتهمة المسؤولية عن القتل. ولاحقا أصبح الأول من أيار عيدا وعطلة في كل العالم في دلالة واضحة على موازين القوى خلال معظم القرن العشرين، حيث كانت الحركة العمالية ونقاباتها وأحزابها الاشتراكية تملك الثقل والزخم لفرض إرادتها. ولم تكن النضالات المطلبية بنظر التيارات العمالية الثورية سوى تمرين لحسم الصراع الطبقي وإلغاء النظام الرأسمالي القائم على استغلال العمال وفق رؤية ونظرية رواد الفكر الاشتراكي التي تم تطبيقها قسرا عبر ثورات انتهت لإنشاء أنظمة دكتاتورية عبرنا بها معظم القرن العشرين وانهارت قبل نهايته.
لكن رواد الفكر الاشتراكي ونظرية الطبقة العاملة لم يتنبأوا بقدوم العالم الرقمي. هم عاصروا المكننة وتطور الآلات في العصر الصناعي وقالوا للعمال الذين أخذوا في بعض الأماكن يحطمون أو يخربون الآلات، إن هذا تطور لا يمكن ايقافه ويجب التعامل معه، وقد تقلل الآلات عدد العمال المطلوبين لكن لن تلغي دورهم، فالآلة يجب أن يشرف عليها ويشغلها بشر، وهي تخفف إرهاق العمل اليدوي. لكن أحدا لم يتنبأ بأن يأتي الكمبيوتر والبرمجة الإلكترونية لتقود هي الآلات وأحيانا تستغني عنها.
وحصل أن عدد العمال كان يتضاءل مقابل الفنيين والمختصين كما تراجعت أهميتهم مقابل التقنيين. وظهر مفهوم جديد لصناعة الثروة. فلم تعد كبريات الشركات الصناعية تقود السوق بل شركات تكنولوجيا المعلومات، حتى الصناعات التكنولوجية الدقيقة مثل الرقائق لم تعد هي موضوع التقدم، على أهمية دورها، بل أصبح لها الدور التابع والملبي لاحتياجات التقدم الذي تقوده البرمجة وابتداع التطبيقات.
إن تطبيقا ناجحا واحدا مثل بعض وسائل التواصل الاجتماعي يصنع ثورة وثروة تعادل صناعة سيارات عريقة. وعليه فإن النظرية الراسخة في الماركسية عن الطبقة العاملة بوصفها صانعة الثروة مقابل أرباب العمل الطفيليين الفائضين عن الحاجة تزعزت أكثر فأكثر. ومهما جادل البعض في ذلك فالحقيقة على الأرض أن كل تطوير ناجح في حقل المعلوماتية يقوم به شخص واحد يصنع ثروة تعادل آلاف ساعات العمل لآلاف العمال، وهي ليست ثروة مفتعلة لأن هذه البرمجيات والتطبيقات تنجز أعمالا ومهمات وتحل متطلبات ثمينة جدا وبعضها كان يحتاج الى مئات الأفراد ومئات الساعات.
إن الأثر الاقتصادي – الاجتماعي لتقدم الاقتصاد الرقمي واضح في حياتنا كل يوم وهو يتسارع بصورة مذهلة، وعليه فإن التصورات القديمة عن العمل والعمال والصراع الاجتماعي تتغير بصورة جذرية وبالتبعية يحدث تحول في المفاهيم السياسية ودور الأحزاب والبنى السياسية والحكومات. ولا نستطيع الحديث عن تصور جديد محدد عن كل هذا بل عن اتجاهات للتغيير. والطريف ان مفهوم الأحزاب يتغير جوهريا ونحن ما نزال نزحف سلحفائيا دون نجاح ملموس لبناء احزاب بالمفهوم القديم.
قضية العدالة الاجتماعية لن تتراجع بل ستستمر، لكن ليس سندا لنظرية حق الكادحين في حصة اكبر من الثروة التي صنعوها بل سندا لمبدأ انساني وأخلاقي هو حق الجميع في حياة كريمة وحق كل العاملين في ثروة المجتمع والرفاه، وهو ما يقوم عليه برنامج الأحزاب الديمقراطية الاجتماعية اليوم.

التعليق