حنان كامل الشيخ

آسفين يا ريس!

تم نشره في الاثنين 1 أيار / مايو 2017. 11:00 مـساءً

أحيانا تختصر مشاهد و كلمات قليلة تخرج بعفوية وصدق، الكثير من الكلام الذي يجب أن يقال، وتنوب عن البيانات والتصريحات الكبيرة، جمل ربما لا ترقى إلى لغة المثقفين الكبار والمحللين عميقي الأفكار، إنما تؤدي دورها الذي خرجت لأجله و في الصميم.
يحدث ذلك في المناطق التي تشهد أزمات مالية تعكس نفسها على المستويين الاقتصادي والاجتماعي، بشكل لا يمكن السكون إليه و كأنه سحابة صيف وسوف تمضي، خصوصا إن طالت مدة العرض الساخن وتمددت الوعود طولا وعرضا للخروج منه.
يحدث ذلك عادة من قبل عابري طريق عاديين، يتسمون بالبساطة والعفوية الطاغية على أساليب حياتهم، لا يلوون على حيلة مدبرة أو خطة مرسومة، يكونون في أقل من لحظة و بدون أي تخطيط مسبق، لسان حال أمة بكاملها!
يستوقف أحد المصلين مسؤولا رفيع المستوى على باب جامع مثلا، مثلما حدث الجمعة الفائتة وينبهه لشيء ربما لا يقدر، بل مؤكد لا يقدر عشرات المستشارين والأمناء والمساعدين والأصدقاء أن يشيروا إليه حتى؛ بأن القضاء على الجوع أفضل عند الله من حج البيت الحرام!
هكذا وبكل بساطة يختصر مواطن متعب بالأصالة عن نفسه، ومتعب بالنيابة عن شعب واسع الصورة الكاملة الشاملة عالية الوضوح لدرجة الصدمة، وبكلمات وإن كانت لا تليق بدولته وبمقامه الرفيع، لكنها مختصرة ومفيدة جدا. ومن قبلها كان المواطن الطيب قد حاول أن يلامس شغاف قلب الرئيس بوصفه مشهد المرأة “وهذا له اعتبار اجتماعي مهم جدا” التي تسري سروة إلى حاويات القمامة قبل الرجل، لتبحث عن طعام لأولادها، في إشارة ذكية و واضحة إلى وضع الكرامة التي أصيبت بطعنة ماكنة في بلاد لم تشهد مثل تلك الممارسات ولم تضطر إليها أساسا، إلا من قبل الفرجة و التحسر على شعوب أخرى.
 وعندما لم يجد صدى لائقا لخبريته المؤلمة، معتقدا أنها ستهز الحكومة وتحركها بحثا عن فقراء يؤمون الحاويات، وفقراء آخرين على الطريق، قام المواطن الطيب بإلقاء عبارته الصادمة بدون تردد، أصبحت فيما بعد الأكثر ترديدا و انتشارا في أقل من ساعة على الواقعة.
حديث الرجل، سيكون لمدة ليست قصيرة مادة للتداول، كل حسب حاجته ورغباته و أسلوبه. والمؤسف أننا سنشاهد بعد أيام نوابا أكارم تحت قبة البرلمان، سيستخدمون عبارة الرجل البسيطة ليركبوا فوق شهرتها، بدون أن يحاسب الواحد نفسه بضمير لمرة واحدة، ويغبط المواطن المسكين المغلوب على أمره لشجاعته ولبيانه المقتضب جدا، الواضح جدا!
وبالمثل إعلاميون وناشطون و”مؤثرون” تعجبهم مثل تلك المختصرات، لأنها تقول عنهم مالا يقدرون على قول الأقل منه بكثير و لو بجودة كلامية أعلى.
عموما، الكلمة رصاصة، تخرج لمرة واحدة فلا تعود، والشاطر ليس من يسمع أو يعلق أو يتبنى أو يركب الموجة. الشاطر من يفهم أنها أبدا لن تكون الرسالة الوحيدة ذات العلامة التجارية المحددة.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »أبدعت (قاريء)

    الثلاثاء 2 أيار / مايو 2017.
    مقالة رائعة , و سرد جميل مختصر لواقع مرير عجز كثيرون عن وصفه ناهيك عن انتقاده . أسلوب جميل بسيط امتازت بها مقالات كاتبتنا المحترمة في وقت حارت الكلمات و العبارات في رسم صورة أمة تئن و ترزخ تحت نير ضربات متتالية انهكتها و نالت من عزيمتها . شكرا كاتبتنا العزيزة آملين بمزيد من مقالاات تمس واقع الحال و تسرد حكاياته .
  • »حلول ذكيه..!! (عمر الجراح)

    الثلاثاء 2 أيار / مايو 2017.
    الحادثة كتب عنها في الغد الاستاذ فهد الخيطان و الدكتور أبو رمان ، كلاهما تشاركا جودة المقال و كذلك ركزا على الحدث و أحداث مشابهة مع رؤوساء سابقين، و قدما الحل الذهبي بإجراء حوار مع المواطن ، لكن هذا ما لم يحدث و كان لا بد له ان لا يحدث!!.ربما من الذكاء دعوة المواطن نفسه مع غيره للقاء حواري مع الرئيس من باب الاستدراك!!.
    مقالك استاذتي جميل من حيث انه ركز على الجو العام او المسبب الرئيسي للحادثة وهو العوز وبلوغ الحاجة عند كثير من الناس حد عدم الإحتمال!... ومن المؤكد ان الرجل لو خطط او توقع ان يخاطب أرفع مسؤول تنفيذي ورأس السلطة التنفيذية لأنتقى كلماته بشكل يدل على ذلك اي على نيته المبيته، لكن ما قيل كان وليد الحاجة والموقف ايضا.
    النصيحة التي اتوقعها من كل من يكتب بالموضوع هي دعوة المسؤولين و دولة الرئيس الى (صفنة) طويلة و البحث عن حلول ذكية ليس منها رفع الأسعار وليس من أماكنها جيوب المواطنين... شكرا استاذتنا ابدعت