رنا الصبّاغ

النشر ممنوع!

تم نشره في الخميس 4 أيار / مايو 2017. 12:02 صباحاً

جلبت الحكومات المتعاقبة سمعة سيئة للأردن حول العالم نتيجة غياب النوايا الجدية لإصلاح الإعلام، وإطلاق حريته وضمان استقلاله. فهي تمعن في إصدار قرارات "منع النشر" وتغض الطرف عن الانتهاكات التي ترتكب بفجاجة ضد الصحفيين مع أن هذه السياسات لا تنفعها أو تنفع المواطنين. كما أنها لا تضمن أمن البلاد واستقرارها، وهي ذرائع تستخدمها السلطات الرسمية لإسكات الرأي الآخر.
ليس ثمّة بوادر في الأفق تؤشر إلى اهتمام الحكومة برفع سوية صناعة الإعلام، بخاصة بعد صدور تقرير منظمة "مراسلون بلا حدود" عن حال الحريات الإعلامية حول العالم للعام 2016. فإلى جانب احتلال الدول العربية ذيل القائمة، شهد تقرير العام الماضي تراجعا غير مسبوق في ترتيب غالبية دول العالم لجهة حرية السلطة الرابعة. وطال الانزلاق حتى الديمقراطيات العريقة؛ مثل أميركا، بريطانيا وألمانيا باسم محاربة الإرهاب وحماية الأمن القومي.
وهكذا لم يعد لهذه الحكومات الغربية أي وازع أخلاقي أو قانوني لانتقاد سياسات تكميم الأفواه المهيمنة في غالبية دولنا العربية، وبخاصة عقب الردّة على ما كان يسمّى بالربيع العربي قبل ست سنوات. ولم يعد لدى الحكومات العربية أي خشية من تعرض صولجانتها للانتقاد أو أن يدفع تعسفها الدول المانحة إلى حجب مساعداتها، احتجاجا على لجم حق الرأي والتعبير المدعوم نظريا بقوانين وبدساتير.
يساعد الحكومة الأردنية في إدامة هذه الحال صحفيون غير مهنيين ومؤسسات إعلامية تمارس التضليل والتطبيل، وتعزّز الجهل والتخلف المتناسل في أحشاء المجتمع. فهؤلاء لطّخوا سمعة هذه المهنة المقدسة نتيجة ممارسات تتنافى مع أخلاق المهنة وأدبياتها. هذه المجموعة التي تعمل لخدمة مصالحها الشخصية الضيقة على حساب المصلحة العامة، ساهمت من حيث لا تدري في تفاقم أزمة ثقة المجتمع بدور الصحافة، كما عمقّت أزمة الثقة بين السلطة والناس. والحال أن الصحافة وأركانها باتوا متهمين بالعمل لترويج رواية السلطات الرسمية بعيدا عن الحقيقة، في تجاهل لحق المجتمع في المعرفه والمساءلة. وتستمر ممارسات بعض المواقع الإلكترونية في ابتزاز معلنين أو التذلل لمسؤولين لضمان استمرارية مؤسساتهم المفلسة ماليا ومهنيا.
وبذلك وفر عديد إعلاميين الفرصة للحكومة لتقويض مهنة الصحافة وضرب حق الغالبية الصالحة في ممارسة هذه المهنة بحرفية، حرية واستقلالية. كما عطّلوا مراقبة عمل السلطات الأخرى ورصد حركة المجتمع ككل، لا سيما أن السلطة الرابعة يفترض أن تكون إحدى روافع الديمقراطية وتعزيز التعددية بأشكالها كافة وحماية حقوق الإنسان بشرط استنادها إلى حقائق موضوعية لخدمة المصلحة العامة.
وسط هذه المعمعة نسينا دور نقابة الصحفيين الأردنيين، التي سجّل أعضاؤها سابقة في تاريخ هذه المؤسسة حين فشلوا في تأمين النصاب القانوني لانتخاب مجلس نقابة جديد. اختلفت الروايات. بعضهم أرجعوا ذلك الفشل إلى تقصير هذه الهيئة في حماية أعضائها من الاعتداءت التي طالت عددا منهم خلال الأعوام الأربعة الماضية. وكذلك فشلها في رفع سوية المهنة والضغط على مجلس النواب والحكومة لإقرار مشروع قانون معدّل لقانون حق الحصول على المعلومات، فضلا عن صعوبة تحقيق شروط الإنضمام لهذا النادي شبه المغلق.
أخبار قطاع الإعلام وواقعه لا تسر البال على الساحة المحلية وفي الخارج. فالأردن -حال غالبية دول العالم- يواجه تحولات عميقة في روافع هذه المهنة، إذ يتبلور صنف جديد من الإعلام اصطلح على تسميته "إعلام ما بعد الحقيقة"، بسبب الشحن العاطفي، المعتقدات الشخصية وكم الأخبار المفبركة التي باتت أشد فتكا بالرأي العام من وسائل الإعلام التقليدية. وبذلك بات الإعلام السطحي أشد تأثيرا في تشكيل الرأي العام من الحقائق الموضوعية التي طالما شكّلت أساس هذه المهنة لعقود. وهكذا يتراجع الرأي الواحد أمام التعددية، وتهيمن العواطف بدلا من تحكيم العقل فيما ينتشر الكذب بين غالبية المنصات. وباتت شرائح مجتمعية لا تطالع إلا ما يحقق رؤيتها ويحاكي معتقداتها. منصات التواصل الإجتماعي، لا سيما "فيسبوك" و"تويتر" تشكّل محركات هذا الصنف الإعلامي الرديء، إذ تكفي رسالة واحدة مفبركة لتستقر في وجدان المتلقي على أنها حقائق مؤكدة.
في الأردن يستمر الوضع الإعلامي في التدهور. تقرير منظمة "مراسلون بلا حدود" الأخير يشير إلى أن المملكة تراجعت ثلاث درجات على مؤشر الحريات الإعلامية للعام 2016 ليحتل المرتبة 138 عالميا.
التقرير الدولي أشار إلى أن وسائل الإعلام العامة والخاصة تحرص على مراعاة القيود التي تفرضها السلطات الرسمية وأن الصحافيين يخضعون لمراقبة حثيثة من الأجهزة الأمنية، وهيمنة نقابة الصحفيين التي وصفها التقرير بأنها تحت سيطرة الأجهزة الرسمية.
انتقادات مشابهة تضمنها تقرير مركز حماية وحرية الصحفيين للعام 2016، الذي صدر تحت عنوان: "منع من النشر"، في اليوم العالمي لحرية الصحافة. عنوان التقرير يحمل إشارة صريحة إلى تعليمات حظر النشر غير المسبوقة التي صدرت العام الماضي. أغلبية تلك التعميمات صدرت عن هيئة الإعلام المرئي والمسموع بدون أي سند قانوني، لتكبيل حرية الإعلام وفرض رقابة مسبقة على الإعلاميين. لفت التقرير للمرة الرابعة إلى أن أغلبية الصحفيين يمارسون رقابة ذاتية لحماية أنفسهم من معاقبة مدرائهم او السلطات الرسمية أو غضب الشارع.
وسجل التقرير وقوع 135 انتهاكا ضد الصحفيين والمؤسسات الإعلامية في تزايد ملحوظ عن العام 2015. هذا الارتفاع الحاد يرجع إلى التجاوزات التي ارتكبت بحق الإعلاميين يوم الانتخابات البرلمانية في 20 أيلول (سبتمبر) 2016، حين رصد 48 انتهاكا.
قبل ذلك، صدر التقرير السنوي للخارجية الأميركية عن حال الحريات السياسية والإعلامية والقضائية والشخصية. ولم يكن حال قطاع الإعلام أفضل.
هل نفقد الأمل؟ بالطبع لا!
لكنّها طويلة معركة تحرير قطاع الإعلام من سطوة الحكومات ومصالح القائمين على بعض المؤسسات الإعلامية وفئة من منتسبي سلك السلطة الرابعة. هذه المعركة تتطلب جلدا وقوة إرادة في مواجهة قوى الشد العكسي، مع أن فوائد التغيير تصب في مصلحة الدولة الأردنية بشقيها الرسمي والشعبي.
بالطبع لن توقف السلطة تدخلاتها المباشرة وغير المباشرة في الإعلام في سعيها لترويج روايتها وإسكات الرأي الآخر، لحماية الوطن من قوى الشر والظلام التي تتمدد حولنا وبين ظهرانينا. الحكومة آخر من يريد من الإعلام أن يتدخل في شؤونها ويبرز إخفاقاتها. وهي تسعى لأن يكون الإعلام مطواعا، حال البرلمان مثلا. ولن يزيد قلقها إذا استمر العالم في إدراج الأردن ضمن خانة الدول "غير الديمقراطية" أو الدول "غير الحرة"، وفي أحسن الأحوال إدخاله ضمن قائمة الدول "الحرة جزئيا" كما كان عليه الوضع قبل سنوات.
للاحتجاج على هذه المعادلة المجحفة، قد يلجأ أعضاء نقابة الصحفيين المشاركين في الاقتراع غدا الجمعة، لإلقاء أوراق بيضاء في صندوق الاقتراع. تخيلوا لو شارك أغلبية أعضاء الهيئة العامة في الانتخابات لكن 70 % منهم اسقطوا أوراقا بيضاء للتعبير عن حال التذمر في أوساط القواعد وتوقهم لقيام النقابة بدورها الموكول إليها؟ حركة كهذه ستجبر المجلس الجديد على التحرك لإعادة الثقة والهيبة المفقودة والتحرر من الاعتبارات الخارجية التي تؤثر على العملية الانتخابية.
وبإمكان الصحفيين المستقلين مواصلة العمل ضمن حدود النشر المتاحة في وسائلهم ونقل الحقائق دون تزويق، حتى لو اقتصرت تقاريرهم الإخبارية ومقالاتهم السياسية على شؤون محلية لا تمس ممارسات الفساد، لكنها تعكس التخبط في اتخاذ القرارات على غالبية المستويات الرسمية. وقد تنتقل عدوى التقرير الإخباري والتحقيق الاستقصائي المعد باحتراف إلى عدد أكبر من الزملاء والزميلات، لأن الصحافي الذي ينبش الحقائق كما هي، سيتحول إلى أنموذج ناصع لزملائه وزميلاته في الكار.
والأهم تخيلوا لو تحدّى رؤساء تحرير المؤسسات الإعلامية والرقمية قرارات منع النشر غير المدعومة بقرارات قضائية؟ تخيلوا لو قالوا لعديد الجهات التي تتدخل في عملهم إنهم "لن ينشروا المعلومات على قد المقاس، لأنهم لم يعودوا مقتنعين في ممارسة عملية تضليل الرأي العام من خلال بواباتهم الإعلامية المؤثرة"؟ هل ستنزع الحكومة إلى مخالفة جميع هذه المؤسسات وإغلاقها ومعاقبة رؤساء التحرير؟
لنقل كلمتنا ونؤدي الأمانة في أعناقنا. فممارسات التعتيم لم تعد تجدي في عصر ثورة تدفق المعلومات. وما كان متاحا بالأمس غدا مستحيلا اليوم.

التعليق