البكاء الفلسفي: عن العقل المكلوم

تم نشره في الخميس 4 أيار / مايو 2017. 11:09 مـساءً

معاذ بني عامر

اقترنَ الوجود الإنساني بصيغته المادية، أعني لحظتي الميلاد والموت، ببكاءِ العيون، إذ دفق الدمع (فرحاً/ حزنا)؛ على (ميلاد/ موت)، عزيزٍ أو حبيبٍ أو قريبٍ أو صديق. ففي الميلاد ثمة بكاء وفي الموت ثمة بكاء أيضاً، وإن أخذ الأول طابعاً فرحاً وأخذ الثاني طابعاً حزيناً. ولربما كان للحكمة البوذية التي تقول: "البكاء يُطهّر الروح"، دور رئيسي في الإفضاء بهذا السخاء المائي، لحظة انضغاط المشاعر الإنسانية. فما يشهده المرء عند حدّي الوجود الإنساني الزمكاني، بحاجةٍ من ثمَّ إلى تنفيس، لكي لا يكبو المرء ويتهاوى من فوق هذا الحدّ الشاهق، ويسقط في هاويةٍ مُرعبة.
وفي تداعيات هذا البكاء، أمكن رصد حركة هذا الماء الدافق رصداً عيانياً، فــَدقَّات القلب المُتسارعة وزَمّ الشفاه واحمرار الخدود وتوّتر الجفون وفرك العيون، مظاهر لعيون تتحفّز لإطلاق زفراتها، فالماء المضغوط في الداخل يتأهّب للخروج من المآقي المُتحفّزة. ومع أول استثارة يدفق الماء من العيون الحزينة/ الفرحة، وينساب، قطرة قطرة، على الخدود المُحمّرة. ولَكَم استأثرت النساء بهذه المأثرة العظيمة، فالحاجةُ إلى الإفضاء بالماء الموجود في الداخل، لم يقف الخجل أو المداراة –كما هو الحال بالنسبة إلى الرجال- عقبة في وجهِ التعبير عنه تعبيراً صريحاً وواضحاً.
ما بين البكائين: الأول والثاني، بكاء الميلاد وبكاء الموت، ثمة بكاءات كثيرة، تأخذ هي الأخرى طابعاً عيانياً، أمكن رصده والتأشير على إحداثياته، فالعيون لا تفتأ تدفق دموعاً على حبيب رحل أو مصيبة حدثت أو مولود قَدِم أو مشهدٍ صادم أو موقف طارئ...الخ.
بإزاءِ هذا البكاء الذي يتمرأى في مشهدية مؤثّرة، يمكنها أن تفتك بالقلوب. ثمة بكاء من نوعٍ آخر، بكاء فلسفي، يتجلّى في الداخل، وينزح ناحية الفظاعة المأساوية، نظراً لاستعصائة على التنفيس النهائي خارج العقل، فهو يتموضع به من لحظة الميلاد الواعي إلى لحظة الموت المادي. فالحرج الكبير الذي يضطلع به العقل لحظة معاينة الأنماط البدئية التي قام عليها الوجود عموماً، وما يرافق هذا الحرج من عجزٍ، ليس في إدراك السبب الذي انبنى عليه العالَم فحسب، بل والغايات التي رسمت، اقتضاء لواقع هذه السبب، تجعله في بكاءٍ دائم. فالحيرة التي تصيب العقل، عند لحظتي الوجود المُطلقتين: لحظة السبب الأول والغاية القصوى؛ تجعله حزيناً أبداً، فالدموع مهراقة من عيني عقله، لأنه عاجز عن الوصول إلى يقين أخير يحمي عقله من وجعه الأبدي، ويجعله يركن إلى هدوءٍ نهائي، يُوقف سيل الأسئلة التي تعصف بكلّ الإجابات التي اشتغلت عليها السرديات الكبرى وحاولت تعميمعها –طوعاً/ كرهاً- في عقول الأتباع والمُريدين.
إذاً، ثمة بكاء من نوعٍ آخر، بكاء تهطل فيه الدموع مهراقة من مآقي العيون الداخلية، نظراً لعجز العقل عن إدارك السبب الذي أوجده في هذا العالَم، وجعله فاعلاً فيه، وما تبع ذلك العجز من عجزٍ ثانٍ طاولَ الغايات الأخيرة، التي يسعى السبب الأول إلى إبرازها تباعاً وتشكيل معالمها في الاجتماع الإنساني. فالصِدام الحادث داخل العقل، بين الفاعلية في هذا العالَم والسَلْب العقلي بإزاءِ البدايات الأولى والنهايات القصوى، تجعله ضائعاً في لجٍّ من التساؤلات الحزينة بالدرجة الأولى، حتى وإنْ أخذت طابعاً إشكالياً على المستوى المعرفي.
وفي تداعيات هذا البكاء، أمكن رصد جملة من الإشكالات لهذا النوع من البكاء الذي اصطلحتُ عليه آنفاً بـ"البكاء الفلسفي"، أمكن تجسيدها في بؤرةِ القلق الإنساني بإزاءِ موجوداته الفيزيقية ووجوده الميتافيزيقي، وتشابكات واشتباكات هذا القلق بثلاثية: (1- الإله/ 2- الإنسان/ 3- العالَم). فالإجابات التي أُنْجِزَت من قبل البشرية عن هذه الثلاثية العريقة، ليست مُقنعة –في لحظات البكاء الفلسفي العظيم- لعقلٍ فردي، حارَ واحتار مع موجوداته الفيزيقية ووجوده الميتافيزيقي. فدموع عقله القَلِق، تبحث عن مَخارج لهاتِهِ المداخل التأسيسية في الذهن البشري، لذا يبقى باحثاً –وسط نفق مُظلم- عن ضوء دائماً أبداً، علَّه يركن إلى هدوءٍ يُطفي ظمأ تساؤلاته، ويُهدّئ من روعه الأنطولوجي على المستوى الذهني. لكن أنَّى له ذلك؟، إذا ما عرفَ قدرة هاتِهِ الثلاثية على التحوّل الدائم والمستمر في عقله، اقتضاء لواقع تطوّره المعرفي، فما كان عليه في طفولته غير ما كان عليه في مراهقته وما كان عليه في مراهقته غير ما سيكون عليه في شبابه وما سيكون عليه في شبابه غير ما سيكون عليه في شيخوخته. لذا تبقى الدموع، دموع العقل، هطّالة أبد الدهر. فاللغز الكبير الذي يحيط بوجوده، يُوتّر المآقي ويجعلها مُتحفّزة للبكاء مع كلّ تساؤل ينطرح بإزاءِ البدايات الأولى والنهايات القصوى، وما حاف بهما من لحظاتٍ مُؤرّقة ومؤلمة.
ولربما راودت الإنسان –واعياً بذلك أم غير واعٍ- لحظات يتمنّى فيها أن ينتهي بكاء عقله، ويُوقف سيل الأسئلة المُهلكة، وقد يتحقّق له ذلك إذا ما اندمج في نسقٍ يقيني، يكون بمثابة الكابح لسيلِ الأسئلة التي تجعل العقل في حالة سيلانٍ دائم. وقد حدث للإنسان ذلك، فصارَ لزاماً عليه –اقتضاء لحيثيات تلك الأنساق اليقينية- أنْ يطمئن، ومع هذا الاطمئنان، جفّت دموع عقله، فتحوّل من حالة الحزن الوجودي إلى حالةِ الطمأنينة السيكولوجية. لذا تآكلت عيون عقله، بعد أن جفّت منابعها وتحوّلت إلى أنقاض، بعد أن كانت ضاجّة بالصخب والحياة. لكن هذا الحدوث الذي أوقف النبع العقلي من التجلّي عبر بكاء فلسفي، يطرح الأسئلة الجريئة والشائكة، لم يمنع الإنسان –حتى ذلك الذي تأبَّدَ في أنساق يقينية راسخة- من الحنين إلى حُزنه الوجودي، نظراً لانسجام هذا الحزن مع مقتضيات وجوده القَلِق والمُتوتّر ابتداءً، فهو في تنامٍ دائم، لا في ثبوتٍ راسخ. ولربما راودت أرسخ الموقنين صحوات استيقظت فيها عقولهم، أو شقشقت فيها بالأحرى عيون عقولهم، فنزلت الدموع مهراقة، وهي تسأل وتتساءل عن مدى جدوى تلك الأنساق اليقينية، التي حاصرت القدرة العقلية للإنسان –رغم منحه اليقين والقدرة للتوقّف عن البكاء حُزناً على مآلاته- وجعلته يتقهقر وتتقهقر قوته الفاعلة في الوجود الزمكاني. فتلك الحاجة إلى بكاء العقل، وتعالقه الاشتباكي مع ثلاثية: (1- الإله/ 2- الإنسان/ 3- العالَم) عبر سؤالٍ مُتنامٍ؛ هي حاجة وجودية بالدرجة الأولى، وما تلك الأنساق الثابتة والراسخة، التي تتحايل على العقل عبر إيقاف منابعه الداخلية، إلا من باب ذرّ الرماد في العيون. فقديما، حديثاً، ومستقبلاً، سيكون البكاء المعنوي، بكاء العقل، ميزة خاصة للإنسان في هذا العالَم، فهو إذ يبكي مثل هذا النوع من البكاء، فإنه يؤكد على طابعه الحزين في هذا العالَم، فوجوده مقترن ابتداءً بنقصٍ شديدٍ، أو بالأحرى بجفافٍ شديد، عند نقطتي الوجود المُطْلقتين: نقطة البدء الأولى، السبب الأول، العلّة الأولى، العماء البدئي، الهيولى الصفري؛ ونقطة النهاية القصوى، الغايات الميتافيزيقية، المآلات المستقبلية. لذا، فهو دائم البكاء، فعيون العقل لا تفتأ تنظر إلى الوجود الإنساني نظرة حرّى، تتبعها بزفرةٍ كبرى تطال الوجود من ركنه إلى ركنه، ستتجلّى هذه الزفرة على هية بكاء فلسفي مدرار. 

التعليق