د.أحمد جميل عزم

على دوار نيلسون مانديلا

تم نشره في الجمعة 5 أيار / مايو 2017. 12:07 صباحاً

كانت الساعة الرابعة والنصف، وفقط مئات وصلوا، فكان ممكناً أن أسمع أحد محامي الأسرى يقول، كنتُ أعرف أنه وصل عندما أسمع صوت "الكلبشات" في يديه، وخصوصا في رجليه. فعندما يكون الأسير في العزل يقيدونه هكذا. ويضيف، الآن وبعد سنوات من خروجه من العزل الانفرادي، بعد أن قضى سنوات فيه، أتخيله في سجن الجلمة، سيئ الصيت، فالمسافة بين الزنازين الانفرادية وغرفة المحامين طويلة، ولو سمح لي بزيارته، تعني أن أتخيله بصوت السلاسل، ومعنى هذا أن معاناته وهو المضرب عن الطعام مضاعفة وهو في الطريق إليّ.
كان موعد المسيرة على دوار نيلسون مانديلا، في رام الله، هو الساعة الخامسة، هذا الأربعاء. أسأل هل يعقل أن يحجز إنسان 1000 يوم مثل مروان البرغوثي، وحيداً في غرفة تنهشها الحشرات؟ أجابوني وأحمد سعدات، (أمين عام الجبهة الشعبية) عزل لسنوات. ففي العام 2011 فرضوا عليه عزلةً عاماً كاملا، وجدد له ثانية، وفي 2014 عزلوه أيضاً، ومنعوا عنه الزيارات ثلاثة أشهر، وجددوها، ونقلوه بين السجون مراراً، حيث لك أن تتخيل الصندوق الحديدي الذي يضعونه فيه في البوسطة (حافلة نقل الأسرى)، وقبل هذا كان مختفيا وحيداً هرباً من الإسرائيليين. والأسير الياباني الثائر، مع الفلسطينيين، كوزو أوكاموتو، قضى منذ عام 1972 ثلاثة عشر عاماً في العزل، كما قضى الإسرائيلي، مردخاي فعنونو، أكثر من 11 عاما في العزل الانفرادي، بعد كشفه أسرار المفاعل النووي الإسرائيلي.
بدأت الفعاليات، بعد وصول الآلاف، ومواكب الكشافة، وألقى الحضور قسم الحرية والكرامة، متعاهدين على مقابلة الوفاء بالوفاء، وأن يتذكروا "الجوع المقاتل في الزنازين، والملح الثائر في الشرايين". وتتحدث سيدة لصديقتها: اليوم هناك شيء غريب.. في العادة تزعجني رايات الفصائل الملونة وهي تنافس العلم الفلسطيني، اليوم أشعر أنّ أسرى هذه الفصائل أعطوا راياتهم جمالاً وبهاءً وقبولاً. لقد شعرت بالفرح لرؤيتها واستغربت هذا الشعور.
مع انتهاء الفعاليات المقررة، واستمرار الكلمات والأغنيات، بدأ الحديث. كان أب يشرح لابنيه عن قصة أسير صورته قريبة، تحملها قريبته. فيما بقربها طفلة تحمل صورة أسير وتبكي. وخلط الطفل بين صورة أسير ومحمد عساف، الذي خرج بعد قليل يغني "جمّع الأسرى جمّع"، فضحك الأب ومن حوله.
يسأل طالب أستاذه، هل تعرف قصة حمزة يونس؟ فيجيب الأستاذ، لم أقرأ بعد كتابه "الهروب من سجن الرملة"، ولكن أعرف أنه هرب أكثر من مرة. يتحدث طالب آخر لأستاذه أيضاً، "يكاد ينتهي بحثي عن  علي حسن سلامة" (مسؤول الأمن الفلسطيني الذي اغتاله الإسرائيليون عام 1979 في لبنان)، سيعجبك، لقد وصلت حتى لكتابات لهنري كيسنجر (وزير الخارجية الأميركي السابق) تخصه. ويصل الحديث لأمور أكاديمية.
يضحك الجميع مع المناضل القادم من بيت لحم، والذي عاش الاعتقال مراراً، وطارده وهاجمه الإسرائيليون مراراً، فاليوم صباحاً ينتقده ابنه ذو الأعوام السبعة "ماذا يعني أن نجلس في الخيمة وتشرب أنت قهوة.. كيف يكون هذا تضامناً"؟  ويبدأ الحديث عمّا يؤثّر بالإسرائيليين حقاً.  
كان أكثر من أم وأكثر من أب يعلّمون أبناءهم كيف يحملون العلم ويلوّحون به، وكان هناك من يعلمهم رسم العلم وتلوينه.
ونحن نسير عائدين من المسيرة، استذكرنا قصة روتها الأسيرة المحررة عائشة عودة ذات مرة، عن حرب العام 1973. وكيف أنها كانت في الأسر عندما بدأت تتوارد قصص الانتصار العربي، وكيف أنّ السجّانات الإسرائيليات غيرن تعاملهن مع الأسيرات وتحسنت المعاملة، حتى أن سجّانة، ربما كانت تتحدث بين الجد والمزاح، سألت الأسيرات إذا وصلت جيوشكم هنا، كيف ستتعاملون معنا؟ كانت لغة القوة هي التي غيّرت المعادلة، أو التي يمكن أن تغيّر.
وهناك قوة ثانية كانت منشورة على دوار نيلسون مانديلا وما تزال، يلخصها قول مروان البرغوثي، الذي يبدو أنه أعد رسائل لكل محطة مقبلة يتوقعها في الإضراب، ففي كلمته التي تلاها ابنه قسّام "إن رهاننا هو عليكم وعلى دعمكم، ووقفتكم، ومساندتكم لهذا الإضراب وهذه المعركة، معركة الكل الفلسطيني من أجل الحرية والكرامة". وأضاف "منذ التحاقي طفلاً بهذا النضال الوطني قد أوفيت بقسمي لهذا الشعب العظيم، وأنا لا اؤمن بأنصاف الانتماء ولا أنصاف المواقف".

التعليق