في مهب الريح

تم نشره في الخميس 4 أيار / مايو 2017. 11:03 مـساءً

  في إحدى القصائد التي غناها محمد وهيب قبل عقود كلمات تقول" أنا العزيز بموطني.. سواعدي ما بتنثني.. من ضحكتي ولهجتي.. بتعرف إني أردني". السؤال الذي يخطر ببالي ويدفعني للكتابة يتعلق بـ "ماذا بقي من اللهجة الأردنية؟".
  إذا ما تجولت في أسواق بيروت او القاهرة او الرباط أو الرياض فغالبا ما يصادفك بائعون أو بائعات يتكلمون، او يتكلمن، لهجة البلد التي أنت فيها، فنادرا ما تصادف أحدا يحدثك بغير لهجة البلد أو يحاول جاهدا تقمص هوية غير هوية بلاده او يدخل الزبائن في تمرين البحث عن "أنت من وين".
في الأردن تبدو الحال مختلفة تماما. فهناك اصرار من بعض الصبايا اللواتي يعملن في المولات والاسواق ومحلات بيع الملابس والاذاعات المحلية على الحديث  باللهجتين اللبنانية والسورية والتنقل بينهما برشاقة كلما دعت الحاجة. اليوم اصبحت الأذن الأردنية معتادة تماما على تعبيرات "مو على عيني" و"تكرم عينك"  و"أكيد" و"ما بحسن" أكثر من كل التعبيرات الاخرى التي اعتاد الأردنيون ان يقحموها في مفاصلاتهم وحديثهم من مثل "اسألك بالله" و"ورحمة أمي" و"خذ مني" و "مثل ما بقول لك"، وغيرها من الجمل والتعبيرات والتراكيب التي طالما استعان بها الأردنيون على بناء مصداقيتهم وكسب ثقة بعضهم في المواقف الاتصالية المختلفة.
  في غالبية برامج الطبخ المتلفزة تصر الطاهية "النجمة" على ان تعرض مواد ومستلزمات ومقادير طبقها اليومي بلهجة غير أردنية تجعل بعض سيدات قرانا واريافنا يدخلن في حوار بعد انتهاء البرنامج لتفسير معنى المفردات التي استخدمتها المعلمة النابهة وأضافتها لمخزون سيداتنا اللغوي بعد استبعاد التسمية التقليدية التي اصبحت بالية وغير عصرية.
اليوم اصبح "البابا غنوج" و "حراق أصبعه" و"المثومة" مفردات تستخدمها ربات بيوت البادية والريف والمخيم دون استذكار ان لهذه الاطباق اصولا في مطابخنا ووصفات جداتنا اللواتي عرفن العدس والباذنجان وفنون طهيها منذ ان كانت الاغوار المصدر الطبيعي الوحيد لإنتاج الخضار الشتوية في العالم بحكم طقسها الذي لا مثيل له.
    المسخ الجديد الذي تقوم به المطابخ والتجارة والاذاعات دفع ببعض صبايا الجامعات والشابات من خلفيات ريفية وقبلية الى طلب الحماية من الغزو الثقافي الجديد من خلال التدثر باللهجة الخليجية. حيث اصبحت بعض الصبايا ممن يرتدين العباءة ويستخدمن العود والبخور ويقاومن تيار اللبننة الجارف بتبني هوية خليجية رموزها اللباس واللهجة والاغاني والمبالغة في استلطاف الهريس والمكبوس والقهوة الصفراء واستبدال قوارير العطور الحداثية بالعود والخزامى، وألبومات اليسا ومايا دياب بأغاني محمد عبده وعلي عبدالستار.
الكثير من الحداثيين الجدد ومن يدورون في فلك البنك الدولي ومؤسسات التمويل الاجنبي لا يلتفتون الى حالة الاستقطاب الثقافي ولا تعنيهم من قريب او بعيد، فهم منشغلون بالتواصل خارج حدود المكان، ولا وقت لديهم للتدقيق فيما يجري، خصوصا أن ما يحتاجون له للتواصل مع العالم لا يقع ضمن ما يمكن ان تقدمه اللغة او الثقافة او الهوية.
لا تحتاج اليوم لجهد كبير لملاحظة مستوى هيمنة اللهجة السورية على اماكن بيع الملابس والاطعمة والحلويات. وسيطرة اللهجة اللبنانية على اثير اذاعاتنا الخاصة  وبرامج التواصل والحوار والترفيه والاغاني. وتسيّد اللهجة المصرية لسوق العمل والمهن والانشاءات والزراعة وامن المباني وقطاع النظافة وخدمات التوصيل.
اللهجة الأردنية اصبحت فلكلورا يمارسه رؤساء جاهات الخطوبة والشباب الذين يعتدون على بعضهم بعضا في الجامعات وكلمات أغاني عمر العبداللات وحسين السلمان، وفي القرى والارياف وبيوت الشعر التي تنصبها العشائر في الساحات لاستقبال المهنئين في مناسبات الاعراس، وللعزاء في المآتم.
 الأسئلة التي ستظل قائمة وربما لا احد يهتم بالإجابة عنها تتمثل في: هل هناك لهجة أردنية خاصة؟ وهل هناك اهتمام بالمحافظة عليها؟ وما هي الجهود المبذولة في هذا الاتجاه، إن وجدت؟
ما اهمية ان يكون لدينا مجمع للغة العربية ولا يكون لدينا جسم او جهاز او برنامج للحفاظ على لهجتنا.. أوليست اللهجة أوضح تجليات الهوية؟

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »وحدة عربية (عروبي)

    الجمعة 5 أيار / مايو 2017.
    دكتورنا العزيز تحية إذا بيتكلموا باللهجات العربية فهذا ممتاز ومن المفروض ان لا يكون هناك أي حساسية ونحن في بلاد الشام بلد واحد ولكن الأدهى من ذلك هناك منا من لا يتكلمون إلا بلغات أجنبية خاصة الإنجليزية والفرنسية. تحياتي