"الرسول قدوتنا"

تم نشره في الجمعة 5 أيار / مايو 2017. 12:08 صباحاً

جاء في الأنباء قبل مدة أن جماعة الإخوان المسلمين أقامت مهرجاناً حاشداً في الزرقاء ثم مهرجاناً آخر في العقبة بمناسبة عيد المولد النبوي الشريف بعنوان: "الرسول قدوتنا".
‏لقد استغربت عنونة المهرجان بهذا العنوان المطلق، وقلت في نفسي: كيف فات "الإخوان المسلمين" الانتباه إلى الخطأ الكبير الذي وقعوا فيه وهم الذين يقدمون أنفسهم كقادة للإسلام وحماة له؟ كيف لم ينتبهوا إلى تأثير ذلك على الشباب -مثلاً- الذين قد يجعلهم هذا التفسير ينحرفون عن الإسلام؟
‏ألا يدركون أنه لا يجوز لنا الاقتداء بالرسول في كل شيء بإطلاق؟ ومن ذلك أنه محرم علينا تقليده في عدد زوجاته، مثلا، فقد تزوج الرسول - صلى الله عليه وسلم-بأكثر من أربع زوجات، ولا يحق لمسلم الاقتداء به فيه، كما لا يُطلب منا الاقتداء به - صلى الله عليه وسلم - بالأميّة، إذا كنا من أصحاب تفسيرها بعدم الكتابة والقراءة.
‏ولحل الإشكال في موضوع القدوة، يجب تحديد ما نقتدي الرسول به، فنقول: قدوتنا في الصدق، وقدوتنا في الأمانة، وقدوتنا في البر، وقدوتنا في المحبة، وقدوتنا في الخير، وهكذا، فاقتدى به في المعجم الوسيط: فعل مثل فعله تشبها به.
***
‏لعل مما يثير الدهشة ويعمق الحيرة في هذه الحقبة من التاريخ: ‏أن الإقبال الشديد على الدين عند معظم الأفراد ومن جميع الطبقات والأعمال والمهن والحرف المتمثل بكثرة المساجد وكليات الشريعة والجامعات والقنوات التلفزيونية والإذاعات والمراكز والكتب والنشرات والمصلين والحجيج والمعتمرين والصائمين (أي التركيز على العبادات) لا يقابله وبالقوة والكثرة نفسها تركيز على المعاملات أو أوامر الدين كالصدق، والأمانة، والنزاهة، والعدل، ونواهيه كتجنب الغش والخداع والنصب والاحتيال والقتل... الدين المعاملة.
‏لم يحدث في التاريخ الإسلامي مثل الفساد المنبث اليوم في كل قطاع وفي كل مستوى، وعند معظم الطبقات والفئات لأفراد في معظم بلدان المسلمين فكيف يتعايش الأمران؟ من ذلك - مثلا - أن كثيراً من المسلمين والإسلاميين لا ينفذون الفتاوى التي تصدرها مجالس الإفتاء أو كبار العلماء بتحريم بيع الأصوات الانتخابية وشرائها، أو مقاطعة البضائع والفواكه والخضار الإسرائيلية أو الغش في سلعة أو خدمة أو الكذب في تعامل أو اللجوء إلى العنف أو قتل المسلم للمسلم لكن الفتاوى التي تدعو إلى القتل ‏- قتل الأبرياء - سرعان ما تجد من ينفذها كما في فتاوى داعش وأخواتها. هل يرجع ذلك في الحالة الأولى لطغيان نزعة الاستهلاك على الناس وعجزهم عن متابعتها، ومن ثم اضطرارهم إلى الفساد لمواصلتها؟ وهل يرجع في الحالة الثانية إلى تسهيل المفتين للانحراف أو الفساد بالتخلص السهل منه (والعودة إليه) بالاستغفار، والتسبيح، أو بالصدقات، أو بالعمرة، إلى العمرة أو بالحج.
اقرؤوا الكتيبات الدينية التي توزع في المآتم أو اتباع في الأسواق، أو البطاقات الدينية الوافدة التي تنتشر في بلاد المسلمين وبين جميع الأيدي تجدونها تؤيد ما أقول.
وإذا كان الأمر كذلك - وهو كذلك - فما أسهل الانحراف والفساد عند المسلمين وما أسهل التخلص منه في كل مرة والبدء من جديد؟ لكن الإسلام بريء من كل هذا التسهيل لأنه يجب أن يأتي بعد اكتمال الإيمان وصدق المعاملات والسلوك:
لقد أفحمت لو خاطبت عقلاً    ولكن لا عقول لمن تخاطب

التعليق