علاء الدين أبو زينة

أيّ رأي حر..؟!

تم نشره في السبت 6 أيار / مايو 2017. 11:08 مـساءً

تحاول مؤسسات الإعلام والفكر توسيع مساحتها لعرض مختلف الأطروحات –أو لمجرد ادعاء التعددية- باستخدام عبارة: "هذه الآراء تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولا تعبر عن رأي هذه المؤسسة". ومن حيث المبدأ، يبدو هذا الإعلان عادلاً بما يكفي، لأنه يعفي المؤسسة المعنية من تهمة الانحياز والأحَدية. وحيث ثمة تقاليد للتنوع وحرية التعبير، تعرض الآراء في المقالات والتحليلات والدراسات حقاً تنوعاً معقولاً في المقاربات والأطروحات. وتعني هذه الحرية تزويد المستهلك بخيارات متعددة ربما لم تخطر بباله، وتساعده في تكوين فهم مستنير وتطوير أدواته التحليلية.
على العكس من ذلك، في بيئاتنا المليئة بالمحرمات الاجتماعية والسياسية، لا تتمتع العبارة المذكورة عن حرية المؤلفين في عرض أفكارهم وإعلان تحميلهم مسؤوليتها بهذا القدر من الصدقية. مثلاً، هناك الممارسة الشائعة: المنع من النشر. وهي تعني عملياً أن المؤلف حرّ في التعبير عن رأيه، وإنما لنفسه فقط، ولا ترغب واسطة النشر المعنية في منحه منبراً لديها. وهي تفعل ذلك إما خوفاً من السلطات إذا تعارضت الأطروحة مع السياسات المرعية، أو لأن رأي الكاتب يتعارض مع رأي المؤسسة نفسها –أي مالكيها أو الذين يجيزون النشر فيها.
في الحقيقة، يواجه المحررون المعنيون بإجازة النشر في بلادنا خيارات صعبة. هناك أولاً مرونة عقل المحرر نفسه وجرأته على إجازة رأي يختلف معه بدرجة أو أخرى. وهناك ثانياً، في حال تمتع المحرر بهذه المرونة، التزامه بمعايير الممنوع والمسموح في المؤسسة. وهناك الخوف من الحدود الاجتماعية والدينية والثقافية. وهناك الخوف من انتهاك قوانين غريبة لا تقتصر على تحصين جهات محلية من رأي المحللين، وإنما قد تعاقب الصحفي أو الكاتب إذا "أساء إلى العلاقات مع دولة صديقة/ شقيقة"، وما شابه.
 ربما أتاح الإنترنت الوصول إلى مصادر بديلة. ولكن، لا يمتلك الجميع التأهيل لقراءة المواد بلغاتها الأصلية. وحتى في حال تُرجمت هذه المواد إلى العربية، فإنها تخضع لنفس القيود والمعايير التي تراقب المنتج العربي. فإما أن تُمنع من النشر، أو أن المحررين يتحايلون لتمريرها، إما بشطب عبارات من المادة، أو بإحداث تغييرات دلالية. فإذا ذكرت المادة دولة عربية بالاسم، يدور المحرر حول مسألة "إساءة العلاقات"، فيستبدل الاسم الصريح بـ"دولة عربية" ويترك الاستنتاج لذكاء القارئ. وإذا قالت عبارة "الأنظمة العربية استبدادية"، يجتهد محررون بحذف أل التعريف ويكتبون "هناك أنظمة عربية استبدادية" لتمييع المعلومة. ولا يقتصر الأمر على مقالات الرأي، وإنما يخضع للرقابة حتى سرد الحقائق التاريخية والمعلومات المجردة، إذا كان عرضها سيثير حفيظة أحد ما، وتُعدم الحقيقة.
يعرف كتاب مقالات الرأي والتحليلات الذين يريدون أن تُنشر نتاجاتهم في بلادنا الحدود التقريبية لـ"حريتهم". وإذا ما غامروا كثيراً بمحاولة اجتيازها، فإن نتاجهم سيُرفض تباعاً، وستضيق عليهم مساحات النشر. وببساطة، لن يعودوا كتاب رأي معروفين، ويُتركون بين خياري تأليف كتاب ونشره في مكان يجيزه، أو الكتابة لمواقع ضيقة الانتشار وقاعدة القراء، لكنها جريئة.
في سياق هذه شروطه، يصعب الحديث عن حرية رأي أو صحافة أو تعبير. وسوف يُنتج ترويج الرأي المقيد والمقنّن بشدة رأياً عاماً شبيهاً، مشروطاً بعمل كثيف من القولبة والتأطير. وعندما يقصف الإعلام السائد الوعي الشعبي بتركيز وكثافة واستمرارية بأشياء متشابهة، فإنه يصنع عقلاً جمعياً يألف "حقائق" محددة. وسوف يفوت الناس حقائق بديلة كثيرة ربما تكون أكثر منطقية وإقناعاً وجدوى، والتي يُمكن أن تحلَّ –إذا أتيح لها المجال- محل "الحقائق" القديمة، بما يجعل العقل الاجتماعي متحركاً ومتطوراً.
الرأي العام الذي يُصنع بهذه الطريقة، هو رأي غير مستنير، ومسترَقّ، ولا يؤمَّل منه أن يساهم في تغيير، إذا كانت لديه أصلاً نزعة التجريب بعد تدجينه. ولا شك في أن أي جهة قرار تخاف من عرض الأفكار المختلفة وإعطائها فرصة لتدافع عن منطقها، إما لا تثق بإمكانية صمود فكرتها الخاصة أمام المنافسة، وإما أنها لا تستريح لتأهيل الناس لمفاوضة الأفكار وتقدير منطقها. لذلك تسمح فقط بعبور أفكار مختارة وتقدمها للجمهور معلَّبة، وقد كتب على الغلاف: "رأي حرٌّ مصفى مائة بالمائة، وجاهز للاستعمال".
أما عبارة: "هذه المادة تعبر عن رأي الكاتب..."، فإنها كثيراً ما تتجنى على الكاتب، بقدر ما تتجنى على فكرة الحرية.

التعليق