جميل النمري

تل السنديان في شطنا

تم نشره في الاثنين 8 أيار / مايو 2017. 12:08 صباحاً

أول من أمس استمتعت بمتابعة تصوير مسلسل محلي سيعرض في شهر رمضان المبارك على التلفزيون الأردني. وأنا متشوق من الآن لمشاهدته؛ فمنذ زمن لم نر أعمالا قروية تراثية أردنية، والدراما الأردنية عموما غابت عن المشهد وبقي التلفزيون الأردني يجتر أعمالا قديمة وأغلبها المسلسلات البدوية التي شهدت ازدهارا واسعا في مرحلة معينة، ثم جاءت حرب الخليج التي قضت على سوق الدراما الأردنية. وإلى جانب الدراما المصرية اكتسحت السورية الساحة بمسلسلات فائقة الشهرة مع أن بعض مخرجيها الأفذاذ هم أردنيون ثم جاءت التركية لتأكل الأخضر واليابس؛ دراما نمطية وسطحية بائسة أصبح أبطالها نجوما مشهورين بين شبابنا وبناتنا بما يعكس الانحطاط الثقافي السائد، هذا بينما يقبع الفنانون في بلدنا فريسة للبطالة والفاقة والاحباط.
نقدر للتلفزيون الأردني عودته لدعم أعمال درامية محلية آخرها هذا العمل الذي يحمل اسم "تل السنديان"، وقد دخلت صدفة في احتكاك مع هذا العمل عندما كشف لي الصديق المخرج حماد الزعبي المفاجأة الجميلة بأنه تم اختيار قرية شطنا لتصوير المسلسل الذي يعود لأجواء أردن القرى والبلدات في الخمسينيات التي شكلت هويتنا الوطنية. ووجدت الزعبي يحمل نفس الأفكار والانطباعات عن هذه البلدة شبه المهجورة وهي لا تبعد عن إربد كثيرا وتتبع بلدية الحصن، حيث يمكن الصعود إليها من هناك لتكشف فوق التلال الريف الأردني البكر.
تحمست كثيرا للمشروع لأنني كنت في الوقت نفسه اشتغل مع الجهات الحكومية على مشروع "إحياء شطنا" والهدف الطموح بتحويلها إلى قبلة للسياحة الصيفية والريفية دون المس بطبيعتها البكر. الزعبي أخبرني أن شطنا هي المكان المثالي لتصوير المسلسلات والأعمال القروية، فالبيوت الحجرية القديمة لم تتهدم وما تزال تحتفظ بكامل تكوينها وتحتاج فقط الى صيانة مثل إعادة بناء سناسل الحجر والطين بالطريقة التي كانت بها، وإزالة الأتربة والاعشاب اليابسة من محيط البيوت والحوش الداخلي والأبيار وصيانة الأبواب والشبابيك ودهنها بنفس الألوان القديمة التي بقي أثرها. وقد قام فريق المسلسل بهذا العمل بترحيب ودعم من أصحاب البيوت والقلة الباقية من أهل القرية، وكان مشهدا يفتح النفس ويبهج القلب أن ترى بيوتا حقيقية تدب فيها الحياة والعمل بالضبط كما كانت قبل ستين عاما، حتى أن عجوزا مرت قرب أحد تلك البيوت فأخذت تحدق مبهوتة بالسنسلة وحوش البيت وراءها ويكاد يغمى عليها إذ اعتقدت أنها قذفت 70 عاما إلى الوراء إلى طفولتها حين كانت تمر وترى هذا المشهد تماما. ومن المؤكد أن هذا أفضل كثيرا من بناء ديكورات ريفية زائفة في الاستوديو، وحسب الزعبي أيضا، فثمة قرى كثيرة يوجد بها بيوت قديمة متهالكة، لكنها بالعادة متلاصقة ومتجمعة في مساحات محدودة بعكس شطنا التي تتوزع فيها البيوت القديمة على مساحات مفتوحة تطل على مشاهد ريفية لم يلوثها العمران الجديد. وقال إنها يمكن أن تتحول إلى استوديو مفتوح ودائم لهذا النمط من الأعمال وما كان مشكلة من حيث هجران البلدة وتوقف الحياة فيها يمكن أن يصبح ميزة فريدة للمستقبل.
يوم الجمعة الماضي كنت أمر أمام جمعية الشابات المسيحية في الحصن ففوجئت بفريق العمل الكبير هناك يصور بعض المشاهد الداخلية. مكثت معهم بعض الوقت وعدت لهم ليلا وجلست أتابع التصوير حتى الثالثة فجرا! كان شيئا منهكا كما لم أتخيل من قبل. وعندما أشاهد العمل في رمضان وأرى المشهد الذي سيدوم أقل من دقيقة سأتذكر أنه استهلك جهود يوم كامل. 

التعليق