صور الصياغة التشريعية (2 - 2)

تم نشره في الأربعاء 10 أيار / مايو 2017. 12:00 صباحاً

المحامية إيمان محمد الدباس

يمكن تقسيم الصياغة التشريعية على أساسين: الأسلوب والوسيلة. فمن حيث الأسلوب تنقسم إلى صياغـــة جـــامدة وصياغــة مرنــة ومن حيث الوسيلة تنقسم إلى وسيلة مادية وأخرى معنوية.
أولا: الصياغـة الجـامدة والصياغة المرنة
تعتبر صياغة القاعدة القانونية جامدة إذا كانت تواجه فرضا معينا أو وقائع محددة وتتضمن حلا ثابتا لا يتغير مهما اختلفت الظروف والملابسات. فالصياغة الجامدة تحقق التحديد الكامل للحكم القانوني أو ما يخضع له الأشخاص أو الوقائع على نحو لا يترك مجالا للتقدير سواء بالنسبة للمخاطب بالقانون أو القضاء وتؤدي بالنتيجة إلى حرمان القاضي من إمكانية تقدير تطبيق القاعدة القانونية دون تمييز بين حالة وأخرى، لذا يجد القاضي نفسه مضطرا لتطبيق الحل أو الحكم بمجرد توافر الفرض بطريقة آلية وصارمة.
وتكون الصياغة مرنة إذا اكتفى النص القانوني بإعطاء القاضي معيارا مرنا يستهدي به في وضع الحلول المناسبة لكل حالة على حدة من القضايا المعروضة عليه طبقا للظروف والملابسات المختلفة، فهي تمكن القاعدة من الاستجابة لمتغيرات الظروف وتفريد الحالات، وتتيح بالتالي للقاضي حرية التقدير وإمكانية المواءمة، ومن أمثلة الصياغة الجامدة القواعد التي تتعلق بسن الرشد وذلك كالمادة (43/2) من القانون المدني الأردني التي حددت سن الرشد وكمال الأهلية القانونية بإكمال ثماني عشرة سنة شمسية، وكذلك القواعد القانونية التي تتضمن مواعيد وأرقام بالنقض أو الاستئناف فمتى فات الميعاد المحدد للطعن، فإن القاضي لا يملك إلا الحكم بعدم قبول الطعن المرفوع بعد الميعاد.
ولهذا النوع من الصياغة الجامدة مزايا وفوائد للعمل التشريعي، فهي تؤدي إلى استقرار العلاقات وتسهل الفصل في المنازعات وتمكن كل فرد من معرفة مركزه القانوني بكل وضوح وثبات، إلا انه من ناحية أخرى تجرد الموقف من الظروف الواقعية وتعامل الجميع بمعيار واحد.
ومثال الصياغة المرنة أيضا معيار "الاختلاف البيِّن" الذي نصت عليه المادة (17) من قانون العمل رقم 8 لسنة 1996، حيث نصت على أن العامل لا يكون ملزما بالعمل في عمل يختلف اختلافا بينا عن طبيعة العمل المتفق عليه في عقد العمل، فعند رفض العامل القيام بمهام معينة كلفه بها صاحب العمل بحجة أنها تختلف عن طبيعة العمل المتفق عليه بينهما، فإن القاضي سيقدر ما إذا كان الاختلاف بيّنا حسب ظروف القضية وطبيعة العمل.
ونجد المشرع أحيانا يجمع بين الجمود والمرونة عند تنظيم مسألة ما كأن يضع المشرع معيارا مرنا وفي الوقت ذاته يسوق الأمثلة أو يحدد أساسا موضوعيا يجب الركون إليه عند التثبت من انطباق المعيار على وقائع الحالة محل النظر. ومن ذلك معيار الغبن الفاحش في العقود، إذ نصت المادة (146) من القانون المدني على أن "الغبن الفاحش في العقار وغيره هو ما لا يدخل تحت تقويم المقومين"، وبالتالي؛ فلتحديد ما إذا كان الثمن المتفق عليه للمبيع مشوبا بغبن فاحش فإنه ينظر في تقييم الخبراء للمبيع، وما إذا كان الثمن المتفق عليه يقع ضمن مدى تقييمه.
ثانيا: الطرق المادية والمعنوية للصياغة
تتمثل الصياغة المادية في وجود تعبير مادي عن جوهر القاعدة القانونية مجسدا في مظهر خارجي لها. فعندما يتعلق النص القانوني بأمر مادي قائم فإنه غالبا ما يتضمن حكما وضعيا يحدد شرطا أو مانعا أو سببا، بحسب تعبير علماء أصول الفقه. وذلك مثل تحديد سن الثامنة عشرة لاكتمال الأهلية، أو النص على القتل كمانع للميراث، أو الغلط كسبب لفسخ العقد.
 أما الجانب الشكلي المقصود في الصياغة المادية، فيتمثل في مظهر خارجي يفرض على الأفراد اتباعه في تصرفاتهم حتى تترتب عليه آثار قانونية معينة، ويقصد من هذه الشكلية عادة إفراغ التصرفات في كتابة رسمية، ومن ذلك بيع العقار وهبته الرهن الرسمي الذي يرد على عقار.
وفي مقابل الصياغة المادية، تأتي الصياغة المعنوية تعبيرا عن عمل ذهني يفرض استنتاجات معينة أو يولّد تصورات مجردة وتتم الصياغة بعد ذلك انعكاسا لما هو ماثل في الذهن وإن لم يكن له مصداق حقيقي على أرض الواقع. فيتضمن النص الذي يصاغ بالطريقة المعنوية فرضا قانونيا أو تصورا نظريا. وتتمثل هذه الصيغ في: القرائن القانونية، الافتراض أو الحيل القانونية.

التعليق