عرب الأحواز وعرب الإسكندرون

تم نشره في الثلاثاء 9 أيار / مايو 2017. 11:00 مـساءً

د. سعد الدين إبراهيم

مع قُرب نهاية الحرب العالمية الأولى (1918-1914) كان واضحاً أن الإمبراطوريتين البريطانية والفرنسية ستنتصران على الإمبراطوريتين العثمانية والنمساوية. واستعدتا، بالتالي، لوراثتهما، أو بالأحرى وراثة الولايات التي كانت خاضعة لهما.
وكانت معظم البُلدان العربية ضمن تلك الخاضعة للإمبراطورية العثمانية. فاجتمع مندوبان عن بريطانيا، وهما السفير سايكس (Sykes)، والفرنسي، السفير بيكو (Pico) سراً في العاصمة الفرنسية، واتفقا على أن تكون بلاد الشام من نصيب فرنسا، وأن تكون فلسطين والأردن والعِراق من نصيب بريطانيا.
ولم يكن ذلك غريباً في حينه. فقد كانت البُلدان الأوروبية مُتمرّسة في اقتسام مناطق النفوذ فيما بينها في كل من قارتي أفريقيا وأسيا. المهم، أنه في هذه التقسيمات لم تراعِ القوى الاستعمارية لا الحدود الطبيعية، أو الخصائص الثقافية أو العِرقية أو اللغوية لأبناء تلك البُلدان. كل ما كان يهمها هو الموارد والثروات والمواقع الاستراتيجية.
من ذلك أنه عند اقتسام الولايات المتحدثة باللغة العربية، تركت فرنسا جزءاً من بلاد الشام، وهو لواء الإسكندرون للجمهورية التركية الجديدة التي أعلنها مصطفى كمال أتاتورك. وظل أبناء الجيل الثالث في ذلك الإقليم يتحدثون العربية  إلى جانب اللغة التركية التي فُرضت عليهم، فيما سُمي بعملية التتريك التي فرضها مصطفى كمال وحُلفاؤه على أبناء الإسكندرون من عرب وكُرد وأرمن.
وقد ارتكبت بريطانيا جُرماً مُشابهاً. فقد حرصت على أن تكون أراضي العِراق من نصيبها ـ وهي ولايات الموصل، وبغداد، والبصرة. وكما فعلت فرنسا، فإن بريطانيا، اقتطعت جزءاً من ولاية البصرة، على الشاطئ الشرقي من الخليج، وتنازلت عنه للشاه الإيراني رضا بهلوي، مُقابل الحصول على امتياز للتنقيب عن البترول واستغلاله. ولم تُلق بريطانيا بالاَ لرغبات وطموحات أبناء ذلك الإقليم، وهم عرب الأحواز. وحينما اعترض هؤلاء الأحوازيون، بقيادة زعيمهم الشيخ عبدالله خزعل، تم التعامل معه وأبناء قبيلته بالقوة المُسلحة المُشتركة لبريطانيا والإمبراطور الإيراني رضا بهلوي.
بل وإمعاناً في التنكيل بعرب الأحواز وإخضاعهم للترتيبات الإقليمية الجديدة، تمت مُحاكمة الشيخ عبدالله خزعل، والحُكم عليه بالإعدام، وتنفيذ الحُكم عليه شنقاً في قلب منطقة الأحواز، وعلى مرأى من الآلاف من أبنائها حتى يكون عبرة.
أكثر من ذلك، قام الُحكم الإيراني الجديد بمُحاولات لتفريس الأحواز، تقليداً لمصطفى كمال في تتريك العرب والكُرد. ومن ذلك أن السُلطة الشاهنشانية الإيرانية، فرضت اللغة الفارسية، والأسماء الفارسية، وجرّمت استخدام اللغة العربية أو تسجيل المواليد بأسماء عربية ـ اللهم باستثناء أسماء شيعية، وهي علي، والحسن، والحُسين، وجعفر.
لقد قاوم عرب الأحواز مُحاولات تفريسهم وطمس هويتهم العربية، فاستمروا في تعلم اللغة العربية، واستخدامها سِراً في منازلهم، خلف الأبواب المُغلقة. كما أن من استطاع الهجرة إلى البُلدان الغربية، من الأحوازيين، أسّسوا كيانات وروابط وجمعيات لدعمهم وتثبيت الهوية العربية، والمُطالبة بحقوقهم المدنية والثقافية، وهو ما يُجمع عليه كل الأحوازيين.
ولكن، كالعادة، مع تلكؤ ومُماطلة السُلطات الإيرانية في الاستجابة لتلك المطالب المشروعة، فإن قطاعاً من الشباب الأحوازي بدأ يُطالب بحق تقرير المصير، والانفصال عن إيران. وقد كوّنوا بالفعل عدة حركات لهذا الغرض. ويُنادي بعضها بالكفاح المُسلح.
وفي مؤتمر حديث عن التنوع في الشرق الأوسط الكبير، نظمته الجامعة الأميركية بالقاهرة ومركز ابن خلدون (23-25 /4/2017)، شارك فيه عدد من أبناء الأقليات ـ من إيران وتركيا والمشرق والسودان، والمغرب الكبير، سمع منهم المصريون، ربما لأول مرة، من أبناء الأحواز، الذين يصل عددهم في الوقت الحاضر إلى حوالي عشرة ملايين نسمة، أي أكثر من سُكان عشرة بُلدان عربية في الخليج، والقرن الأفريقي، وجُزر القمر، وموريتانيا في أقصى الغرب الأفريقي.
وللأسف الشديد، يتعرض العرب الأحواز في إيران للتفرقة والاضطهاد، منذ سلخ أرضهم من جنوب العِراق، على يد النظام الشاهنشاهي ـ أي منذ العام 1920. لذلك رحّب أهل الأحواز بالثورة الإيرانية، التي قادها الإمام روح الله الخميني في العام 1979، وشاركوا فيها مُشاركة نشطة. وقد وعدهم الخميني بتلبية مطالبهم المؤجلة من العام 1920، ألا وهي الحُكم الذاتي للإقليم، والتمتع بحقوقهم السياسية والثقافية. ولكن الخميني حنث بوعده، واتضح أنه وغيره من زُملائه آيات الله، لا يقلّون تعصباً وشوفينية لفارسيتهم عن النظام الشاهنشاهي الذي ثاروا عليه.
لقد تحدث في المؤتمر ناشطان بارزان، أحدهما عن الكُرد، وهو وزير حقوق الإنسان الأسبق في العِراق، الدكتور بختيار أمين، والناشط الثاني من الأحواز، وهو الدكتور كريم عبديان، الذي يرأس منظمة للدفاع عن حقوق الأحواز، داخل الجمهورية الإسلامية الإيرانية. علّق عليهما عدد كبير من المُشاركين المصريين بالاتفاق أو الاختلاف، ولكن بشكل مُتحضر للغاية. لذلك طالب المُشاركون في المؤتمر أن يتكرر هذا التجمع، سنوياً، لمُتابعة تطورات ورعاية التنوع في المنطقة. ووعد المنظمان، الجامعة الأميركية ومركز ابن خلدون أن يسعيا إلى ذلك. وبادرت عضو البرلمان العِراقي السابقة وسفيرة العِراق اللاحقة في عمان، السيدة صفية السهيل، إعلان استعدادها لاستضافة الدورة الثانية للمؤتمر في العِراق في العام القادم.
وعلى الله قصد السبيل.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »ومع ذلك (اد كمال غرايبة)

    الأربعاء 10 أيار / مايو 2017.
    ومع ذلك قمنا بمعادة ايران فقط ونركز عليها فقط ؟؟؟؟بينما يجب معاداة بريطانيا وفرنسا وتركيا بل والانكي تحالفنا مع العدوالاساسي وهو الان الدول الغربية الثلاث واسرائيل (اضفنا امريكا التي ورثت وتزعمت الغرب ) المسبب لكل مصائبنا انا فهم ان نعادي كل من شرد وفتت شعوبنا واغتصب ارضنا ووقف ولا يزال ضد كل امالنا بالسير نحو الاحسن ولكن لا افهم لماذا اصبحت ايران عدونا الوحيد واصبح الغرب وتركيا والجميع صديقنا وحليفنا بل وزعيمنا