سائد كراجة

ليس حبا في ماكرون

تم نشره في الأربعاء 10 أيار / مايو 2017. 12:02 صباحاً

انتخبت فرنسا أصغر رئيس جمهورية في تاريخها، وقد شهدت هذه الانتخابات أكبر نسبة امتناع عن التصويت حيث بلغت 25 %‏ من عدد أصوات الناخبين، وعلى عكس الأميركان في انتخاباتهم الأخيرة، صوت الفرنسيون لصالح الانفتاح على العالم، والاتحاد مع أوروبا، وللهوية الفرنسية الجامعة، منتصرين بذلك للقيم الليبرالية الأوروبية، وبما يليق بتاريخ فرنسا التنويري، ولكن الأهم أن الفرنسيين صوتوا  لإسقاط النعرات الشعبوية اليمينية بما مثلته من دعوات للانغلاق والفرز العنصري وتأجيج الصراع الديني، وقد أعلن ماكرون في خطاب الفوز أنه سيعمل على تغيير الظروف التي جعلت أحد عشر مليون فرنسي يصوتون للتطرف، ويقصد بذلك من صوتوا للمرشحة اليمينية لوبان.
 والمتتبع لتاريخ ماكرون السياسي يخيل له أن سر صعوده الصاروخي في أقل من ثلاث سنوات؛ من موظف بنك إلى رئيس الجمهورية الفرنسية الخامسة، هو فقط وجوده في المكان المناسب في الوقت المناسب، فالرجل ليس له خبرة سياسية ولا حتى بيروقراطية طويلة، وحركته السياسية "إلى الامام" عمرها أقل من سنة ولهذا يبدو أن ماكرون نجح بالأصوات التي رغبت بإسقاط لوبان أكثر من كون تلك الأصوات مقتنعة ببرنامج أو حتى بشخص ماكرون.
ماكرون انتصر لقيم الجمهورية الفرنسية ولم يلحق بالشعبوية اليمينية ولا اليسارية، وخرج من نطاق التقسيم التاريخي السياسي بين يمين ويسار، ويبدو أن الناس، خصوصا الشباب ملوا هذا التقسيم التقليدي، وكأن الجماهير صارت تنتظر من السياسيين طرح برنامج عملي تفصيلي يعالج مشاكل المواطن اليومية، وعليه فإنك تجد برنامج ماكرون مختلطا  يجمع بين مطالب يمكن تصنيفها بأنها ليبرالية مثل خفض الضريبة على الشركات وترشيق القطاع العام، وثانية اشتراكية مثل توفير دعم مالي لسكان الضواحي.
وعلى صعيد السياسة الخارجية، خرج ماكرون عن المألوف حين وصف الممارسات الاستعمارية لفرنسا في الجزائر بأنها "جرائم حرب"، وفي شأن القضية الفلسطينية فإنه معارض صريح للتوسع الاستيطاني الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية، إلا أنه يعارض تنفيذ قرار البرلمان الفرنسي التاريخي بالاعتراف بدولة فلسطين.
حركة "إلى الامام" -كما أشرنا - حركة يافعه لم تكمل السنة من عمرها، وهي غير متجذرة في المجتمع الفرنسي وتكاد تكون غير موجودة خارج العاصمة، وتواجه الحركة تحدي جمع خمسة وسبعين مرشحاً برلمانياً لتمثيلها، وإلا فإنها ستكون ضحية للتحالفات الحزبية التي قد تطيح بالنصر الماكروني، وتجعل من الرئيس الشاب رئيساً دون الأغلبية البرلمانية اللازمة لتطبيق برنامجه، خصوصا أن لوبان توعدت أن تخوض الانتخابات التشريعية وهي تسعى لتكون الجبهة المعارضة الأقوى للرئيس.
ما يهمنا في الانتخابات الفرنسية التوقف عند قضية  مهمة، وهي أن المواطن الفاعل -وإن اختلفت دوافعه- هو من يصنع قرار التغيير، وأن الشعوب الحية هي التي تصنع الإصلاح وتنفذه، وهي التي تقف ضد التخلف وهي التي تعلي قيم المدنية والحضارة. الشعوب الحية هي التي تنهض فعلاً وقولاً وتصنع الفرق، وتناضل من أجل قانون انتخاب تمثيلي ديمقراطي، وهي التي تغير ما فيها من عصبية ومذهبية، وتنهض بقيم الدولة المدنية، ومن جانب آخر فإن الفرنسيين لم يصوتوا نصرة للإسلام ولا ضده، ولم يرعبهم الاٍرهاب، بل انتصروا للحرية والانفتاح وقبول الآخر، ولقيم الدستور الفرنسي المدنية التي ناضلوا من أجلها.
الدرس المستفاد من الانتخابات الفرنسية أن نقد السياسيين ورجال الحكومة دون العمل الجاد على الأرض هو مراهقة سياسية، وأن التغيير والإصلاح يتطلب العمل اليومي مع الناس ولأجل الناس.

التعليق