ما الذي يحفز الإرهاب؟ (1): الأيديولوجيا والنظرية

تم نشره في الأربعاء 10 أيار / مايو 2017. 11:00 مـساءً
  • زعيما القاعدة أسامة بن لادن وأيمن الظواهري - (أرشيفية)

سكوت ستيوارت* – (ستراتفور) 4/5/2017

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

ما الذي يحفز الإرهاب؟ إنه سؤال تطرحه الحكومات والأفراد، والجيوش والأعمال التجارية. وفي ندوة عبر الإنترنت عقدت في 27 نيسان (أبريل) حيث تناولنا، فريد بيرتون وأنا، تطور التهديدات الإرهابية في اتجاه الأهداف الناعمة، ناقشنا بإيجاز هذا العنوان بالتحديد. ولا شك في أن معرفة ماهية هذه القوى المؤثرة هي شأن حاسم لمعرفة كيفية تنفيذ هجوم ما، ووضعه في السياق -وربما الأكثر أهمية، توقع وحتى التنبؤ بالتغيرات المستقبلية في الاتجاهات الإرهابية. ولا تتوقف التكتيكات والصنعة في العمليات الإرهابية عن التغير أبداً أيضاً: إنها تتحول باستمرار حتى تستجيب للقوى الخارجية التي تمكِّنها، وتعيقها، أو حتى تشكلها. وفي حين قد تختلف مكونات القائمة بين الخبراء، فإن المحركات الرئيسية التي يتعقبها فريق "عدسة ستراتفور للتهديدات" هي أيديولوجية الإرهاب ونظريته، والتطورات السياسية والاقتصادية، وجهود مكافحة الإرهاب، والتكنولوجيا، والتغطية الإعلامية.
على أساس الاهتمام العام في الندوة المذكورة عبر الإنترنت، أود أن أزيح الستارة، وأقدم لمحة عن الكيفية التي يقيِّم بها منهجنا هذه القوى المحركة الخمس. وفي هذه السلسلة، سيجري اختبار كل واحدة منها على حدة، لكن من المهم تذكر أنه ليس هناك عامل واحد يعمل في عزلة -العالم لا يعمل بهذه الطريقة. إنها عوامل متعالقة، وتعمل دائماً تقريباً معاً (أو ضمن غايات متقاطعة) للمساعدة في التحويل الدائم لديناميات الإرهاب.
أيديولوجية الإرهاب
هناك الكثير من التعريفات للإرهاب، لكننا سنعرِّفه، من أجل خدمة غاياتنا، بشكل فضفاض على أنه العنف المدفوع سياسياً ضد غير المقاتلين. وفي حين أن الكثير من المجموعات والأفراد يمارسون الإرهاب، فإن الإرهاب من أجل الإرهاب في ذاته ليس غايتهم النهائية. إنه، بدلاً من ذلك، مجرد أداة واحدة تستخدم لتحقيق هدف أعلى، سواء كان ذلك الهدف هو إطلاق ثورة ستجلب "جنة العمال"، أو منح الحيوانات حقوق البشر نفسها، أو تأسيس خلافة عالمية.
بطبيعة الحال، لا تقر كل المجموعات السياسية استخدام الإرهاب لتحقيق أهدافها. وفي الحقيقة، فإن معظم المجموعات –حتى تلك التي تروج لتغيير راديكالي أو ثوري- لا تفعل. وثمة مثال بارز على هذا الاتجاه، هو جماعة الإخوان المسلمين، كمنظمة إسلامية دعت منذ وقت طويل إلى إعادة ترتيب جذرية للحكومات والمجتمع في العالم المسلم على أساس قانون الشريعة الإسلامية. لكنها تؤكد مع ذلك على العمل في داخل النظام السياسي واستخدام وسائل غير عنيفة، كما فعلت الجماعة في مصر في العام 2012، عندما تم انتخاب مرشح الإخوان المسلمين، محمد مرسي، رئيساً في أعقاب الإطاحة بالرئيس المصري الأسبق حسني مبارك. وحتى بعد إطاحة انقلاب عسكري بمرسي في العام 2013، واصلت جماعة الإخوان المسلمين التبشير باللاعنف.
مع ذلك، أيدت بعض فروع الجماعة، مثل حركة حماس الفلسطينية، استخدام العنف لتحقيق غاياتها. وفي وقت أقرب، أصبح العديد من شباب جماعة الإخوان المسلمين المصرية مستائين من النهج، وانفصلوا عن المجموعة كلية، وشكلوا منظمات جديدة مثل "حركة حسم". وبتعقب خطاب هؤلاء الأعضاء السابقين في الجماعة، لن يكون من الصعب التنبؤ بأن مجموعة جديدة سوف تنشأ -واحدة لا تتورع عن شن هجمات ضد الحكومة المصرية.
تشكل البيانات التي تصدرها المجموعات الإرهابية أيضاً مصادر جيدة تساعد في استكشاف مقاصد هذه المجموعات. والكثير منها تكون شفافة في كثير من الأحيان: وكان عنوان عمل أسامة بن لادن في العام 1996، "إعلان الحرب ضد الأميركيين الذين يحتلون أرض الحرمين الشريفيين"، قد أظهر وحده أنه أراد شن هجمات ضد الولايات المتحدة. وبالإضافة إلى ذلك، أظهرت فتوى بن لادن في العام 1988، التي وُصفت بأنها بيان صادر عن "جبهة العالم الإسلامي"، وشارك في توقيعها قادة أربع مجموعات إسلامية أخرى في مصر، وباكستان، وبنغلادش، أظهرت أن أيديولوجيته كانت تكسب زخماً.
بالمثل، عندما غيرت منظمة "القاعدة في العراق" اسمها إلى "الدولة الإسلامية في العراق"، فإنها أشرت بذلك على نيتها تأسيس كيان إسلامي. ثم عندما غيرت المجموعة اسمها إلى "الدولة الإسلامية في العراق والشام"، أظهرت أنها تريد خلق كيان إسلامي يمتد عبر العراق وسورية. وعندما أعلنت عن إقامة خلافة عالمية، فقد أوضحت منطقياً رغبتها في توسيع هذا الكيان خارج العراق وسورية إلى العالم كله.
عندما يأتي الأمر إلى اختيار الأهداف للهجمات، تلعب الأيديولوجية دورها أيضاً. وعلى سبيل المثال، سوف تهاجم الجماعات الماركسية والفوضوية الصناعات والأهداف الحكومية، لكنها ستتجنب على الأغلب قتل أو جرح المواطنين الذين تنظر إليهم على أنهم يتعرضون لاضطهاد الرأسماليين والدولة. ومع ذلك، يمكن أن يكون هناك، حتى لين الجماعات التي تشكل جزءاً من نفس الحركة، فروقات مهمة في الأيديولوجيا. وكنا قد كتبنا بتوسع عن الانقسامات العميقة بين مجموعتي القاعدة والدولة الإسلامية. وهذه الفروقات لا تقتصر على موضوع الاستهداف وحسب -وإنما أيضاً كيف تمكن ممارسة الجهاد جملة وتفصيلاً. ويوضح التركيز على الأيديولوجيا أن اندماجاً بين القاعدة و"الدولة الإسلامية" لن يحدث، على الرغم من التقارير الإخبارية التي تحذر من أن اتحادهما القاتل قادم على الطريق. فبعد كل شيء، ما كان منفد "الدولة الإسلامية" الإعلامي البارز، مجلة الرومية، ليصف قادة القاعدة بأنهم "يهود الجهاد" لو كانت المجموعة قد فكرت بأي طريقة جدية في ضم القوى.
سوف تكون هناك دائماً مبالغة في الدعاية الإرهابية. ومع ذلك، فإنها تميل بوضوح إلى تحديد أهداف ونوايا الجماعات الإرهابية، حتى وإن لم تكن قادرة على تحقيقها.
نظرية الإرهاب
يمكن أن يساعد توجيه انتباه مركز على الطريقة التي تعمل بها منظمة ما في الكشف عن الكيفية التي ستتطور بها، أيضاً. وفي وقت سابق كثيراً هو العام 2004، ناقشَ مركز "ستراتفور" تداعيات قيام حركة جهادية تكون أوسع من جماعة القاعدة المركزية، وكيف أن من الخطير النظر إليها ككيان متحد فقط. وقد أدت التوترات بين القاعدة المركزية وبين مجموعة أبو مصعب الزرقاوي، القاعدة في العراق، كما انعكست في رسالة نُشرت في العام 2005، إلى تعزيز فكرة أن الجهادية هي حركة أكثر من كونها منظمة هرمية واحدة. وقد أصبح ذلك فهماً مقبولاً على نطاق واسع الآن، لكنه كان في البداية محلاً للجدل إلى حد ما.
يشكل مفهوم المقاومة بلا قيادة منطقة تركيز مهمة أخرى؛ واحدة عززت فكرة أن الحركة الجهادية الموحدة أصلاً تحت قيادة "القاعدة" يمكن -بل وسوف تصبح- متفرقة، وسوف تشكل تهديداً موزعاً وواسع النطاق. وفي هذا النموذج، يتلقى الإرهابيون الوحيدون أو الخلايا الصغيرة الإرشاد الأيديولوجي أو الخاص بالاستهداف من حركة مركزية، وإنما دون أن يكون لهم اتصال مباشر بالمجموعة، في جهد يرمي إلى زيادة الأمن العملياتي. وليست المقاومة بلا قيادة مفهوماً جديداً بأي معنى، وربما كان أفضل من عبَّر عنها ووثقها هم قادة اتجاه التفوق الأبيض الأميركيين في أعقاب محاكمة فتنة فورت سميث في العام 1988. وقد اعتمدت حركات جبهة تحرير الأرض، وجبهة تحرير الحيوان، وبعض جماعات الفوضيين ذلك المفهوم، وفعلت ذلك بدافع اليأس، بعد أن تعطلت تحركاتها تماماً على يد جهات إنفاذ القانون الأميركية.
على نحو مماثل، قامت الولايات المتحدة وحلفاؤه باستئصال تنظيم القاعدة المركزي وبقية الشبكة الإرهابية في أعقاب هجمات 11/9، مما أجبر المنظر العسكري الجهادي، أبو مصعب السوري، على الشروع في الترويج لنموذج مقاومة بلا قيادة للجهاديين. وفي أواخر العام 2004، ربط السوري النظرية بمفهوم المسؤولية الفردية عن القيام بالجهاد. وقد التقط تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية لاحقاً هذه الفكرة في العام 2009، ونشر مقالة في مجلة المجموعة الناطقة بالعربية، "صدى الملاحم"، والتي شجع فيها قادة المجموعة المسلمين الذين يعيشون في الغرب على العمل بمفردهم بدلاً من محاولة السفر إلى الخارج لتلقي التدريب مع الجماعات الجهادية. وتم تشجيع الأفراد على تنفيذ هجمات ضد أهداف لينة باستخدام السكاكين، والهراوات، والمسدسات، والقنابل الصغيرة وغيرها من الأسلحة المتاحة بسهولة. وقد شكل هذه النموذج العملياتي صعوبات هائلة لوكالات مكافحة الإرهاب، وأجبر العديد من المحللين على البدء في التركيز على الدورة الحقيقية للهجوم الإرهابي: "كيف" بدلاً من "مَن".
كان هذا النمودج قيد العرض في حادثة إطلاق النار التي شهدتها قاعدة فورت هود في العام 2010، والذي نفذ خلاله الرائد نضال حسن، وهو جهادي يقيم في الولايات المتحدة، هجوماً بسيطاً في مركز لتدريب الجيش بعد أن استلهم أيديولوجية تنظيم القاعدة في الجزيرة العربية. وقد حفز نجاح ذلك الهجوم تنظيم القاعدة في الجزيرة العربية على زيادة جهوده بشكل درامي لإلهام وتجهيز جهاديين آخرين في الغرب لتقليد هذا الهجوم على مستوى الجذور. وبدأ التنظيم بنشر مجلته الناطقة بالإنجليزية، والمسماه "إنسباير" بعد وقت ليس بالطويل. حتى أن تنظيم القاعدة المركزية قفز إلى عربة فرقة المقاومة بلا قيادة هو الآخر، وجعل الناطق باسمه باللغة الإنجليزية، آدم غادن، يظهر في شريط فيديو ليشجع المسلمين الذين يعيشون في الغرب على شن هجمات ضد أهداف ناعمة بالقرب من الأماكن التي يعيشون فيها، باستخدام أي أسلحة يمكنهم أن يضعوا أيديهم عليها.
ولكن، في حين تستطيع المقاومة بلا قيادة توفير أمن عملياتي أفضل للناشطين على مستوى الجذور، فإنهم يظلون مفتقرين إلى الحرفية والقدرة اللتين تتوفران لدى نظرائهم المدرَّبين. وفي الحقيقة، أصبح اللجوء إلى فكرة المقاومة بلا قيادة اعترافاً بالضعف، كما كان حاله مع المجموعات السابقة. ولا شك في أن الطلب من الجهاديين استخدام سكين أو هراوة هو شيء بعيد تماماً عن التهديد بشن هجوم كبير سيفوق 11/9. ومع ذلك، تبنى "داعش" نموذج المقاومة بلا قيادة في أيلول (سبتمبر) 2014. ورددت رسالة من الناطق باسم "داعش"، أبو محمد العدناني، صدى دعوة تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية الأبكر للجهاديين الذين يعيشون في الغرب إلى شن هجمات ضد أهداف ناعمة، بغض النظر عن أهميتها.
من المثير للاهتمام الآن رؤية الكثيرين وهم يؤكدون أن الهجمات مثل الاعتداءات الأخيرة بالسيارات في لندن واستكهولم، التي شنها جهاديون شعبيون، هي شيء جديد. إنها ليست كذلك. ولأولئك الذين يتابعون الأحداث، من الواضح أن استراتيجية المقاومة بلا قيادة -التي تسميها مجلة إنسباير "الجهاد مفتوح المصدر"- تعود كل الطريق إلى كتابات أبو مصعب السوري، مع أمثلة في فورت هود، وبوسطن، وتولوز، وغلاسكو، وأوتاوا، وسيدني، من بين أخريات. ويؤدي فهم نظرية الإرهاب وكيف تمارسها المجموعات إلى وضع المنظمة الإرهابية في المنظور. كما أنه يسمح للمرء بالتنبؤ بأشياء مثل التهديدات الناشئة والمتطورة.

*يشرف سكوت ستيوارت على تحليلات مركز ستراتفور لقضايا الإرهاب والأمن. كان قبل انضمامه إلى ستراتفور عميلاً خاصاً لوزارة الخارجية لمدة 10 سنوات، وشارك في مئات التحقيقات عن الإرهاب.
*نشر هذا الموضوع تحت عنوان:
 What Drives Terrorism Part 1: Ideology and Theory

التعليق