عيسى الشعيبي

مغزى التصعيد "السوري" إزاء الأردن

تم نشره في الخميس 11 أيار / مايو 2017. 11:04 مـساءً

بعد التصعيد الذي أطلق عنانه رئيس النظام العليل في دمشق ضد الأردن، قبل نحو شهر، حين زعم ان الأردن مجرد ارض لا سيادة عليها لأصحابها، استأنف وزير خارجيته وليد المعلم هذا التصعيد الذي تشارك فيه ايران، مهدداً بنبرة مُتعبة؛ ان ما تبقى من بلد الميليشيات المذهبية سوف يتعامل مع اي تدخل عسكري اردني مزعوم على انه تصرّف معادٍ، والبقية في بطن المعلم.
لا اعتقد ان شعرة واحدة من شارب اردني اهتزت من وقع هذا التصعيد المجاني، او ان مسؤولاً في هذا البلد قد اخذ كلام المعلم على محمل الجد، بعد ان اشبع وزير خارجية الاسد معظم الداخلين على خط الكارثة السورية، تهديدات مماثلة، كانت تذهب ادراج الرياح، فيما قوات اللاعبين الاقليميين والدوليين تتقدم على الارض، خارج نطاق ما بات يعرف باسم سورية المفيدة.
بكلام آخر، لم تعد الدولة الممزقة محل اعتبار من جانب اي عاصمة او جهة اقتضت مصالحها وحساباتها، ضرورة التدخل في تلك الارض المستباحة، براً وجواً، على نحو ما شهدناه في السنوات الست الماضية، وهو ما ينطبق على الأردن الآخذ باستراتيجية الترقب والحذر، مع ترك كل الابواب مفتوحة، وكل الخيوط موصولة، مع المتزاحمين على خشبة المسرح الدامي في الديار الشامية.
ولأننا امام مشهد سوري لا يكف عن التغيّر بين عشية وضحاها، فإن على من يزن الامور بدقة متناهية، ويحسب لكل صغيرة وكبيرة الحساب المناسب، ويأخذ بعين الاعتبار كل المضاعفات المحتملة، ألّا يغمض عينيه عن المتغيرات المتسارعة في جوار يعج بالإرهاب، وبغيره من المخاطر التي باتت ترى بالعين المجردة، بما في ذلك خطر التمدد الايراني، واقتراب الميليشيات المذهبية اكثر فاكثر من تخوم الحدود الشمالية.
ولعل جملة طويلة من المؤشرات والمواقف والتصريحات المتواترة في الآونة الاخيرة، تقدم قراءة اولية لموقف اردني في طور التشكّل بعد، أملته ضرورات موضوعية، وفرضته تحديات خارجية ملحّة، قوامها من جهة اولى احتمال توجه تنظيم "داعش" تحت الضغط في الموصل والرقة، جنوباً الى البادية السورية، ومن جهة ثانية المساعي الايرانية الحثيثة لإقامة تواصل جغرافي يمتد من طهران الى بيروت عبر البادية القريبة من الحدود الأردنية.
كان الأردن اول من حذر، وقبل سلسلة الانهيارات التي حدثت في المشرق العربي، من خطر الهلال الشيعي، الذي بدأ يتجسد عياناً بياناً في الآونة الاخيرة، الامر الذي يستحيل معه على هذا البلد اليقظ ان يدير ظهره للمشروع التوسعي الايراني، بكل ما ينطوي عليه هذا المشروع الامبراطوري من مخاطر جيوسياسية، خصوصاً اذا توافقت مصالحه الوطنية مع حسابات استراتيجية لإدارة اميركية جديدة، تنظر الى ايران على انها الراعي الاول للإرهاب في العالم.
من المرجح ان تهديدات وليد المعلم بعظائم الامور، لم تأت على خلفية اهتمام نظام الاسد المفاجئ بمصير الاراضي السورية المتروكة للجماعات الارهابية، وانما اقتضتها رؤية ايرانية تستشعر عزم الولايات المتحدة على قطع دابر تواصل الاراضي العابرة لبادية الشام، وهو تواصل استثمرت فيه الجمهورية الاسلامية الكثير من الدماء والاموال. ولما لم يجد المعلم لديه القدرة على تحذير واشنطن، اطلق سهامه الطائشة نحو جاره الجنوبي.
في ظل سياسة التكتم المعمول بها لدى المستويات العسكرية والامنية حيال الموضوعات ذات الحساسية العالية، فإن احداً من المعلقين في الأردن، لا يمتلك اليقين وهو يقارب الموقف الرسمي ازاء التطورات السورية المتلاحقة. ومع ذلك فإن التنقيب الحصيف بين السطور والكلمات والمواقف المعلن عنها تباعاً، اضافة الى بعض الصور المتداولة على الشبكة العنكبوتية، تمنح المراقب قدرة على تشخيص استراتيجية اردنية تغيّرت مؤخراً، بعد انتهاء عهد الرخاوة الاميركية.
على اي حال، ليس مطلوباً من بلد يضع أمنه فوق كل الاعتبارات، ان يغض الطرف عن التوابع الزلزالية المتلاحقة في جواره، وان يعقد يديه خلف ظهره، فيما التحديات المصيرية تتراءى امام عينه. فلا الحملة الايرانية المسفّة، ولا تهديدات وليد المعلم او حزب الله، يمكن ان تُقعد الأردن عن واجبه تجاه نفسه، إن لم نقل أن فاعلية الدور الأردني، ناهيك عن حقه وواجبه، قد وضعتها التهديدات الارهابية والايرانية على محك الاختبار.

التعليق