"إذا أردنا أن نعرف ما في سورية.."

تم نشره في الجمعة 12 أيار / مايو 2017. 12:03 صباحاً

في سبعينيات القرن الماضي انشغل مشاهد التلفزيون العربي بمتابعة احد اهم الاعمال الدرامية التي صورت الحياة في احد الاحياء الدمشقية التي اختار كاتب المسلسل نهاد قلعي ان يسميها "حارة كل من إيده الوه". في المسلسل الذي تدور غالبية احداثه في فندق "صح النوم"، الذي تمتلكه فطوم ويعمل فيه دريد لحام وياسين بقوش، تقع صاحبة الفندق فطوم في حب احد المقيمين فيه  من دون ان يلتفت الى حبها او يعطيها اي اهتمام. ويظل الكاتب المعشوق الذي تعطلت عبقريته وتوقفت موهبته الكتابية بعد أن اختار العنوان الغريب لمقالته "إذا أردنا أن نعرف ما في ايطاليا، يجب أن نعرف ما في البرازيل".
غوار الطوشة، الشاب الذكي المفعم بالحيوية والمتعلق بالمكان الواعي لتشابك تفاصيله، يقع في حب سيدة الاعمال وصاحبة الفندق التي تمضي جل وقتها في متابعة شؤون معشوقها حسني البورزان الذي بدا غير مدرك لمشاعر العاشقة المتيمة، ومنشغلا بقضايا خارج حدود المكان.
ولاستمالة فطوم والفوز بقلبها، يعمل غوار على ترتيب المطبات والمقالب الرامية للايقاع بين فطوم وحسني لتشويه صورته لديها على أمل أن تقع في حبه وتقبل الزواج منه عوضا عن البورزان الذي حرص العمل الفني على اظهاره مجردا من المشاعر والاحاسيس.
 لم يكن في حسابات نهاد قلعي ودريد لحام وفطوم وياسين بقوش وابوعنتر انهم يصورون مستقبل سورية التي اصبحت مسرحا لصراع القوى العالمية والاقليمية، يبحث مصيرها في غير عاصمتها وخارج ارضها، كما كان يوحي حسني البورزان  في عنوان المقال الذي انتهى المسلسل قبل ان ينهيه.
اليوم؛ تنشغل دول العالم في بحث القضية السورية بدون حضور السوريين، وتصدق نبوءة نهاد قلعي "اذا اردنا ان نعرف ما في دمشق، فيجب ان نعرف ما في موسكو".
 الحرب التي مضى على اشتعالها ما يزيد على خمس سنوات، وذهب ضحيتها مئات آلاف السوريين وهجرت الملايين واسفرت عن تقسيم البلاد الى مناطق نفوذ لجيوش وفصائل ودول، تعود الى دائرة الاهتمام العالمي بعد ان عجز العالم عن معالجتها  في جنيف1 وجنيف 2 واستانا 1 وغيرها من المؤتمرات واللقاءات التي احالت سورية الى ما يشبه مناطق القتال الحرة.
تجدد الحديث عن المناطق الآمنة ومحاولة التحشيد لتأييد فكرتها شكلت نقطة التقاء لكثير من اللاعبين الذين وجدوا في ذلك مدخلا مناسبا للخروج من حالة اللافعل الى حالة وقف التدهور والحد من معاناة المدنيين في بعض المناطق كخطوة اولى نحو الحل. التوافقات الجديدة بين اللاعبين الأساسيين خلقت حراكا عالميا بين  العواصم المؤثرة، فخلال الايام الماضية استقبل الرئيس الاميركي دونالد ترامب الوزير الروسي لافروف بحضور وزير خارجيته ريكس تيلرسون لبحث ما يمكن ان تقوم به القوى العظمى لوقف مسلسل القتل والتدمير والخروج بمعادلة تقود الى حل لأكثر مشكلات العالم والاقليم دموية وتعقيدا.
 بالرغم من اهمية مشروع المناطق الامنة الا ان الطريق ما يزال صعبا يلفه التناقض والغموض وتضارب المصالح، فالاميركيون يتحدثون عن مكافحة الارهاب والامن القومي، والروس معنيون بتثبيت دورهم الاقليمي واستعراض قوتهم ووزنهم، والايرانيون وحزب الله مستمرون في دعم  النظام كحليف وعمق استراتيجي، في حين ان الاتراك يسعون الى منع قيام دولة كردية على حدودهم،  وعلى الجانب العربي يوجد الكثير من الاجتهادات والتباين، حيث يرى البعض ضرورة التدخل لوقف التقدم الشيعي والحيلولة دون تشكل الهلال الشيعي، في حين يشكك البعض في امكانية الابقاء على وحدة سورية اذا ما انتهى النظام.
واقع سورية اليوم لا يختلف كثيرا عن "حارة كل من إيده إلوه" في مسلسل "صح النوم"، فلكل اجندته الخاصة والجميع في حرب وصراع من اجل مصالحه. قبل ايام رحلت فطوم حيص بيص عن الدنيا، ومن المفارقات ان غوار المتيم بها لم يحضر مراسيم دفنها ربما ليذكرنا بأننا نعيش في حارة "كل من إيده إلوه".

التعليق