الديكتاتوريات الناعمة: إعادة إنتاج الوحش الإنساني

تم نشره في الخميس 11 أيار / مايو 2017. 11:00 مـساءً

معاذ بني عامر

(1 )
إليكم هذه الأفكار التي تبدو على صلة وثيقة، وإنْ حدثت في أماكن وأزمان مختلفة ومتعدّدة:
(أ)
قبل مدة تمَّ بيع الهاتف الأحمر الذي كان يستخدمه "أدولف هتلر" في إصدار أوامره إلى قادته العسكريين، بملبغ جاوز مئات الآلاف من الدولارات.
(ب)
عندما فاز "دونالد ترامب" في انتخابات الرئاسة الأميركية أواخر العام الماضي، انقبضت قلوب المُحلّلين وحارت عقولهم، على اعتبار النهج المُتطرّف الذي يحمله هذا الرئيس، لا سيما تجاه العرب والمسلمين.
(ج)
وعندما فاز "إيمانويل ماكرون" في الانتخابات الرئاسية الفرنسية قبل عدّة أيام، عمّت الفرحة أرجاء المعمورة، على اعتبار النهج العقلاني الذي يتمثّله ماكرون في تعامله مع العالم، بعيداً عن فكرة الاستقطابات والعنصريات التي يمكن أن ينتهجها اليمين المُتطرّف في حال فوزه بالانتخابات ذاتها في فرنسا.
(2 )
دعونا نُعيد ترتيب الأفكار السابقة، على النحو التالي، بحيث يكون تواجدها تباعاً وجوداً غائياً، يسعى إلى إبراز علاقة مشتركة ذات دلالة:
(أ)
لم يكن بيع هاتف "أدولف هتلر" في مزاد علني محض صدفة تسعى إلى التأريخ للفظاعات التي ارتكبها هذا الديكتاتور، من خلال الإبقاء على الأداة التي أصدرت الأوامر إلى القادة والعساكر من أجل القضاء على كل ما يتعارض مع المشروع النازي، لتكون عبرةً للأجيال الحالية والمستقبلية، وشاهداً على ما يمكن أن يصل إليه الإنسان من توحّش وسادية. بل جاء هذا العمل، كما افترضُ، كتجلٍّ لحنينٍ راسخ في أعماق النفس البشرية ناحية ثيمة الأسطرة التي تطال أشخاص بعينهم، وتحوّلهم إلى أيقونات تنطوي على قيمةٍ مزدوجة: مادية ومعنوية. حتى وإن كانت هذه الأيقونات قد فتكت بالناس وحوّلت حياتهم إلى جحيم متواصل. فالسعي الدؤوب إلى منح الأشخاص قيمة عليا في الحياة، هو نوعٍ من الشعور الاستيعاضي لما هو مأمول لدى الذات، عبر أولئك الأشخاص. وبيع هاتف "أدولف هتلر" في دولةٍ ديمقراطية، وبسعرٍ مرتفع، يؤكد على استمرار احتكام حالة الوعي الإنساني إلى حالة اللاوعي، وإذا كانت الميزة التي يتسجد بها هذا الوعي آناً، لا سيما في المجتمعات الغربية، هي ميزة العقلانية، فما تلك -على المستوى الأخلاقي- إلا قشرة تختزنُ في أعماقها قدرة هائلة على الفتك والتدمير.
(ب)
كشف اللغط والصخب الذي رافق انتخاب الرئيس الأميركي "دونالد ترامب"، عن هشاشة فكرة عصر الأنوار في العقل البشري، حتى الغربي منه إلى حدّ كبير. فأنْ يعمل شخص واحد على تهديد خمسة قرون من عصور الأنوار الغربية، كافحت أجيال كثيرة ومُتعاقبة على بلورته وتشكيل سياقاته، وذلك بالإطاحة بالقوانين الناظمة للحياة، والاعتداء عليها، عبر قرارات فردية من قبل إنسان أرعن وشرس، فذلك ليس إدانة في العمق لسياسات "ترامب" حتى من قبل مُعارضيه، بل هو حنين إلى فكرة البطولة الخارقة التي تتجسد في شخص بعينه، تسعى البشرية إلى مُطاولة بنيانه، والإطلاع على ما آل إليه هذا البطل المغوار، من تفوّق، حتى لو تجسّد هذا التفوّق على هيئة شرّ مستطير.
(ج)
مقابل اللغط والصخب الذي رافق فوز "ترامب"، ثمة لغط مضاد –وإنْ كانت النتيجة واحدة كما سأوضّح بعد قليل- صاحب فوز "إيمانويل ماكرون". فالمآل لعصر الأنوار كان مرهوناً بالأشخاص أكثر من رهنه للأفكار والتمثّلات القانونية لذلك العصر. إذ كان لفوز "لوبان" أن يضع فرنسا -فرنسا التي ساهم فلاسفتها مساهمات فاعلة وحقيقية في التأسيس لعصر الأنوار في عقول وقلوب الأوروبيين- في محارجات قوية، فقيم مثل العدل والإخاء والمساواة، كان يمكن أن تصبح في خبر كان، بموجب قرارات فردية لشخصٍ واحد. وهذا في جوهره لا يختلف كثيراً عن تعليق آمال كبرى على شخص واحد، لناحية إحياء القيم الكبرى لعصر الأنوار، والدفع باتجاه تمثّل تلك القيم في الواقع المعيش، دونما تحزّبات أو تكتّلات مبدئية، من شأنها الإضرار بتلك القيم وتهديد مسلكياتها في الاجتماع الإنساني. فالفكرة واحدة طالما هي مُتعلقة بشخصٍ واحد، لا بالمجموع الكُلّي للأمة، أو بالقوانين الناظمة التي اصطلحت عليها تلك الأمة. فالأمل بإزاء إنعاش القيم العليا على يد شخص بعينه، مساوٍ تماماً للألم بإجهاض القيم العليا على يد شخص بعينه. وهذا هو ما يخلق الديكتاتوريات، سواءً أكانت قاسية أو ناعمة، إذ تبقى فكرة الارتهان إلى (الخلاص الفردي) بارزة في الاجتماع الإنساني -حتى بالنسبة لتلك التي لديها تقاليد عريقة وراسخة في القيم العقلاينة- أكثر من الارتهان إلى فكرة (الخُلاصات الفردية).
(3)
إنَّ الميزة الكبرى لعصور الأنوار في مختلف الحضارات، هي إحداث إزاحة معرفية في بنية التفكير الإنساني، لناحية الانتقال من:
1 - مرحلة الخلاص الجمعي، الذي ينتصر لثقافة القطيع والاستسلام لمنظومات أو سرديات، تُجيب مرة واحدة وإلى الأبد، على الأسئلة الكبيرة التي تُؤسّس للوجود الإنساني في هذا العالَم. إلى:
2 - مرحلة الخُلاصات الفردية، التي تُؤسّس لفكرة الثراء المعرفي، التي لا يمكن أن يُتقدّم خطوة على المستوى الحضاري، إلا بموجبها. فالمعمار الكبير بحاجةٍ إلى جهود الكل، لكي ترفده بالخبرات العديدة اللازمة، لكي يبرز ويظهر إلى العيان. أما الإبقاء على فكرة واحدة ونسق ثابت، فهو شيء ضد الحضارة، بل هو عامل مهم لتدميرها والإطاحة بالجهود التي بذلت، لترسيخ قيمها ومعالمها في الاجتماع الإنساني.
وهذا الانتقال ينطبق على عصر الأنوار الغربي، إذ تمَّ تحرير الإنسان من فكرة (الخلاص الجمعي)، التي يمكن أن تصنعها العقائد الجامدة، عبر شخص واحد أو بطل جبَّار، والانتقال به من ثمَّ إلى فكرة (الخُلاصات الفردية) التي تجعل من فكرة التدافع الحضاري فكرة قابلة للتطبيق أيضاً، على اعتبار أن الكُل مسؤول عن إبراز قوته الحضارية، وتفعيلها بما يخدم الاجتماع الإنساني، ويجعله أكثر قابلية للعيش المشترك. لكن أن يُعاد التأسيس لفكرة (الخلاص الجمعي) التي يمكن أن يشتغلُ عليها شخص خارق أو بطل قوي، ويُكره الناس عليها، عبر بثّ الوعود الجميلة أو التهديدات القاسية؛ هو إضرار بعصر الأنوار والأفكار العقلانية التي جعلت الناس يقفون إلى جانب بعضهم البعض بشكلٍ أفقي، لا فوق بعضهم البعض بشكلٍ عمودي.
وللأسف، فهذا ما حدث في النماذج الثلاثة التي أتيتُ عليها آنفاً، فجميعها تسعى إلى إعادة إنتاج فكرة البطل الواحد، لا إلى فكرة الإنسان بصفته بطلاً حضارياً على الإطلاق. ولربما أشّر هذا المنحى الخطير على ثيمة أساسية عند الإنسان بشكل عام، لناحية تشبّثه بإرثه التقليدي العريق، إذ ما يزال يحنّ – واعياً، كما يحدث في النُظم الشمولية والأنساق الدوغمائية، وغير واعٍ، كما يحدث في النُظم الليبرالية والأنساق التفاعلية- إلى نظرية الشخص الواحد، البطل الواحد، الإمام الواحد، الحاكم الواحد، الشاعر الواحد، الروائي الواحد، النبي الواحد، الذي يتحكّم بمصائر الناس؛ سلباً أو إيجاباً، فقيم التعددية والتنوّعية والثراء لم تتعمّق داخل النفس الإنسانية، كما تعمقت قيم الديكتاتوريات الكثيرة، فحاجة الناس –مع ما يصاحب هذه الحاجة من فرح أو حزن، صخب أو حبور- إلى شخص واحد، يُنقذها أو يدمرها، هي حاجة لا واعية بالدرجة الأولى، لذا لا تفتأ تظهر على السطح كحاجةٍ أساسية، حتى في مجتمعات أعلت من شأن الوعي وجعلته مشتركاً بين الناس.

التعليق