دعواتك يا حجة

تم نشره في السبت 13 أيار / مايو 2017. 11:04 مـساءً

في البادية والارياف والعديد من مجتمعاتنا التقليدية  كانت الأمهات والجدات يشكلن مصدرا للدعم المعنوي للصغار والكبار في الملمات والأيام العادية، زادهن الدعاء والتوسل الى الله ان يحمي ويرزق الابناء ويستر ويوفق البنات وينجح الصغار ويحفظهم وينصر الابناء والعشيرة والاهل على من يعاديهم. كان الجميع يسعون لنيل دعوات الجدات والامهات ويتباركون بالرضا الذي يعملون كل ما بوسعهم لنيله والحفاظ عليه.
لوجود كبار السن في البيوت نكهة وحضور يبعث على الطمأنينة؛ فهم يعملون كفريق استشاري يعود له الابناء كلما واجهتهم  مشكلة او مأزق او عارض فهم خبراء في كيفية التعامل مع الابناء  ولا يترددون في إرشادهم لحل الخلافات مع الأزواج، وفي أحيان كثيرة يتدخلون لمساعدتهم على  مواجهة الإعسار المادي وغالبا ما يكونون عونا على العناية بالصغار إبان المرض وبعث الطمأنينة في نفوس الأبناء الشباب.
 الدعوات التي ترددها الأمهات والجدات وبعض افراد العائلة تشتمل ضمنا على نوعية المخاوف التي تؤرق الناس ويستعينون بالله ودعوات كبار السن و"أهل الله"  على تجنبها او اللطف بها.  فهناك الخوف من الموت والفقر والمرض والعار وقلة الاحترام وكراهية الناس وقلة الاولاد او الحرمان منهم والهزيمة او الخسارة. لذا فقد ابتدعت الثقافة الشعبية ادعية لمواجهة كل واحد من هذه المخاوف والاستعانة بالطيبين المباركين ممن يعتقد بأن أدعيتهم قد تكون مستجابة ليتولوا الدعاء.
خلال مسيرة مجتمعاتنا الرعوية والزراعية الطويلة تطور تراث الأدعية والمعوذات والاعتقاد بالحظ وعوامل الرضا والغضب إلى درجة كبيرة جعلت البعض يعزون نجاحهم أو فشلهم للحظ والرضا والدعوات لهم أو عليهم. الأمر لا يقتصر على الثقافة العربية  فالدعاء والحظ والتعاويذ والايمان بالقوى الخارجية موجود في غالبية المجتمعات البشرية ولدى معظم شعوبها. بعض الرياضيين المشهورين يتمتمون بقراءات وتعويذات خاصة قبل دخولهم للملاعب وبعض رؤساء الدول العظمى يزورون العرافين ويستشيرونهم . الكثير من الأشخاص في مجتمعنا اليوم يؤمنون بالحظ ولديهم رقم له ويتشاءمون من أحداث او اسماء او اشخاص او طيور.
المتسولون في بلادنا استطاعوا ان يحولوا الأدعية الى خدمات يتقاضون أسعارها منا في كل يوم. فهم ينتشرون على بوابات المساجد والكنائس وعند عيادات الأطباء وعلى الاشارات الضوئية؛ حيث التوقف قصير ولا يتطلب الموقف الكثير من الأخذ والرد. بمهارة وخفة وحنكة يدرك المتسولون أهمية الأدعية لمعنوياتنا، ويستخدمون فراستهم لتحديد نوعية الدعاء الذي يحتاجه كل فرد منا تبعا لتقييمه؛ فيردده على مسامعنا لنشعر بأنه فهم ما يدور في صدورنا وتواصل معنا فنعطيه مالا لقاء تشخيصه السريع لما نحن فيه.
من بين أدعية المتسولين الخاصة للمرضى ورواد العيادات "الله يطول عمرك" او" ربنا يشافيك"  وفي حالة مرور الصبايا والشباب "ربنا يخليلك إياها ويخليكو لبعض"، في حين أن الدعاء العمومي للجميع يتمثل في "ربنا ينولك إللي في بالك".
في مجتمعنا كما في بعض المجتمعات العربية يتحول الدعاء بطول العمر الى لقب يسبق الاسم عند المخاطبة او الإشارة  ليقال " طويل العمر.. ويا طويل العمر" وفي العقود الاخيرة ونتيجة للتفاوت الاقتصادي وحاجة العامة الى من يخلصهم من أزماتهم ومشاكلهم أصبحت أعداد من  يخاطَبون بطويل العمر أكثر بكثير من أعدادهم في المجتمعات الرعوية الزراعية ليتحولوا الى طبقة  يمتلك اعضاؤها المال والجاه والمكانة والقدرة على حل المشكلات وفض النزاعات وتلبية طلبات من يقصدونهم.
 بالرغم من تسلل القيم الفردية إلى بيوتنا وتخلي الكثيرين منا عن نمط الحياة في الأسر الممتدة التي يقدم فيها الكبار طاقة روحية ومعنوية للاسرة وافرادها، إلا أن الحاجة للأدعية ودعوات الكبار لم ولن تختفي من ثقافتنا ووجداننا الذي قد يبحث عنها في أدعية المارة والمتسولين.

التعليق