عيسى الشعيبي

المنظمات الإرهابية والمليشيات المذهبية

تم نشره في الاثنين 15 أيار / مايو 2017. 11:04 مـساءً

في آخر إطلالة تلفزيونية له، اعلن زعيم حزب الله من مخبئه الحصين، لكل من يهمه الامر، ان قواته قد انسحبت من منطقة القلمون الغربي في سورية، بعد ان تمكنت من اخراج معظم الفصائل العسكرية، وتهجير عشرات الالوف من المدنيين السوريين، الذين توجهت اكثريتهم الى الاراضي اللبنانية، واقاموا في مخيمات عشوائية، دون ان يخبر حسن نصرالله المخاطبين بهذا الاعلان المفاجئ؛ الى اين توجهت هذه القوات المنخرطة بوحشية، في فصول المأساة السورية المتواصلة على مدى السنوات الست الماضية.
ومع انه لا يوجد اي مؤشر على تحقق هذا الانسحاب المعلن دون مسوغات مقنعة، بدليل ان مهجراً سورياً واحداً لم يعد الى بلدته حتى اليوم، او حتى ينوي العودة قريباً، الا اننا سنفترض صحة هذا القول على علاته، متسائلين سؤال المستريب بالنية والغاية معاً، ومستبعدين في الوقت ذاته عودة هذه القوات الى الجنوب اللبناني بكل تأكيد، (والا لتحدثت اسرائيل عن ذلك)؛ هل يممت قوات حزب الله وجهها شطر الجنوب السوري، او الى المناطق المحاذية لمرتفعات هضبة الجولان المحتلة، ام الى اطراف بادية الشام، حيث المعركة المحتملة قريباً؟.
نعلم سلفاً ان انخراط حزب الله في الحرب السورية لم يكن ارادياً بالمطلق، وانما كان قراراً ايرانياً دون ادنى ريب، وبالتالي فإن انسحاب هذا الحزب، او اعادة انتشار مقاتليه في الجغرافيا الشامية، تخضع بالضرورة لاستراتيجية الجمهورية الاسلامية، ولحسابات معركتها طويلة الامد في كل من العراق وسورية، الامر الذي يرجح احتمال ان تكون الذراع الايرانية الطويلة قد تموضعت في منطقة سورية اخرى، لخدمة هدف اكثر الحاحاً في هذه المرحلة المفتوحة على معارك كبرى وشيكة.
ونعرف أيضا، ان الشيء الوحيد الواضح منذ الآن، في الخطة الاميركية الجاري بلورتها في البنتاغون، ضد كل من "داعش" وايران، هو اخراج الاول من الموصل والرقة من جهة، وقطع تواصل الارضي بين طهران والبحر الابيض المتوسط من جهة ثانية، الامر الذي يمكن الافتراض معه ان انسحاب قوات حزب الله من القلمون الغربي- اذا صح ذلك مجدداً- يأتي في اطار استعداد نظام الولي الفقيه لمواجهة خطر فقدان ذلك الكريدور، الذي استثمرت فيه ايران الكثير من المال والدماء، ولا تزال تستثمر فيه بسخاء رغم الضائقة الاقتصادية.
في مقابل هذا الاحتمال المفتقر الى مؤشرات ملموسة وبراهين اضافية، يتقدم احتمال آخر اكثر معقولية، الا وهو انتقال زخم حزب الله الحربي من غرب سورية الى جنوبها، على مقربة من الحدود من الاردن، وذلك على ضوء الهواجس التي راحت تستبد بنظام الاسد مؤخراً، والمزاعم التي يطلقها الناطقون باسمه، حتى لا نقول التهديدات التي لا رصيد لها، ومفادها ان هناك حشوداً عسكرية اميركية بريطانية اردنية، تتأهب للوثوب شمالاً، سواء اكان ذلك لقطع طريق انتقال "داعش" تحت الضغط الاميركي المباشر من الشمال السوري الى الجنوب الصحراوي، او كان لقطع دابر التواصل الارضي الايراني.
ولما كان اي تحرك لحزب الله باتجاه جنوب لبنان او بالقرب من الهضبة المحتلة، تتولى اسرائيل كشفه على الفور، وتتحدث عنه بلا تأخير، وهي لم تقل شيئاً حتى الآن، فإن ذلك يرجح مرة اخرى ان تكون وجهة الحزب الى حوران، اما لفتح جبهة اوسع مع الجيش الحر، على تخوم الحدود الاردنية، او لدرء ما تصفه دمشق حشوداً متعددة الجنسيات، تنوي العبور الى داخل السوري في اي لحظة، دون ان يكون لدى العاصمة المدارة ايرانياً قوة عسكرية ذاتية قادرة على المشاغبة.
كان لافتاً في هذا الصدد، الموقف الذي تولى وزير الخارجية أيمن الصفدي إعلانه قبل أيام معدودة، عبر مكالمة هاتفية أخبر فيها نظيره الروسي سيرغي لافروف، وهو ولي أمر الأسد، أن الاردن لا يقبل بوجود منظمات ارهابية، او ميليشيات مذهبية بالقرب من حدوده الشمالية المنيعة جيداً، وهي المرة الاولى التي تتحدث فيها الدبلوماسية الاردنية بكل هذا الحزم والوضوح والعلنية، إزاء الميليشيات الايرانية تحديداً، الامر الذي يشير الى ان قرون الاستشعار الحساسة على الحدود، قد التقطت ما يشير الى وجود تحركات مشبوهة، قد تكون مليشيا حزب الله رأس الحربة فيها.

التعليق