نادر رنتيسي

“أبي فوق الكنبة”

تم نشره في الأربعاء 17 أيار / مايو 2017. 12:00 صباحاً

وضع أخي إصبعه “البسكويتيّ” في عين والدي، وعضضتُ بأسناني اللبنيَّة الناقصة على ذراع أبي. أمُّنا كانت مشغولة بإعداد الطعام الدسم والضحك مع الصحون، وشقيقتي اكتفت بالفرجة السلبيَّة والإسعاف البدائيِّ. ذهبَ المشهَدُ سُدىً، كغَلطة الهواة في المونتاج، فبيتنا الصغيرُ ما كان فيه هاتفٌ محمولٌ متوسط الذكاء، أو كاميرا تُحمل بخفة علبة السجائر الحديدية. الخطأ إذاً لم يكن مشتركاً للعائلة السعيدة، المسألة تعلقت بوقت سيِّئ؛ قبل ثورة الديجيتال بعشر ثورات وشُبهة انقلاب.
خللٌ بسيط في التوقيت مرَّ على صبيين عاقبا والدهما الذي أخلف وعده بأنْ يأخذهما إلى حديقة الحيوانات بعد الغداء، لكنَّه استلذَّ النوم في القيلولة الباردة، ثم وجد نفسه على سريرٍ جلديٍّ في “الطوارئ”، فانفرط المجد من كلِّ أطرافه، فلو أنَّ صبياً سيولد بعد حين اخْتَصر المشهد في دقيقة وجزأين من الثانية، على يوتيوب، ووضع له عنواناً جاذباً كأفلام الستينيات، ربَّما “أبي فوق الكنبة”، ودخل سباق الأعلى مشاهدة، كان سيكون له جمهور بحجم شعب دولة ناشئة على البحر.
وكانت امرأة انجليزيَّة ظريفة ستكتب أسفلَ الشريط: “إنّهما ملاكان وشيطانهما محدود المواهب”، ويابانية عاقر سترمي على اسمينا أمنيتين وبكاء، ومحرِّرة وكالة الأنباء تصيغُ قصة صحفية تفتقر للدقة عن حياتنا الهانئة، وقناة أميركية تتحدث إلى أبي في حديقة المستشفى بالعربية الفصحى، وتسأل “أوبرا وينفري” أمِّي بلغة وسيطة ومرح خفيف إنْ كانت ستجرؤ على أن ترفض لنا طلباً. فقط لو أنَّا وُلدنا على رأس “آي فون 4”، لانتسبنا إلى جيلٍ تُكتَبُ شهادة الميلاد فيه على شاشة آي باد ملساء، وتعلن الوفاة فيه بتعطل زرِّ التشغيل!
نحن جيل الحبِّ المُلوَّن في السبعينيات، والحروب الروائية في الثمانينيات، كان بيننا صبيٌّ يقلِّدُ اهتزازات “عمرو دياب” على المسرح، وطفلة تحفظ غيباً أسماء فلسطين وتضعها في جمل مفيدة، وطفلان عجوزان حين يؤديان دورَيْ “العمدة” و”الباشا” في مشهد لا مخرج له، وأشهدُ أن زميلي في الصفِّ سجَّل هدفاً “مارادونياً” في ساحة ترابية، ورضيعة جارنا أبدت دهشة تلفزيونية لما رأت شقيقه التوأم بلا لحية سوداء. تطرَّف بعضنا بالعشق المسروق خلف تينة عجوز، وقاد أشجعنا السيارة في عبث مجنون، ولا دليل واحداً على ما أزعم، فأول العمر مرَّ سريعاً كآخره، قبل أن يصل إلى حيِّنا “عمل من رجس الشيطان” اسمه افرنجي مركَّب: “الفيديو كاسيت”!
وكبرنا على مهل كالاختراع النسبيِّ الذكاء. أيّامنا في الذاكرة مصورة بجودة ضعيفة، والدقة تتوفر حسب نسبة الخيال، فهل تذكرين يا حبيبتي أنَّكِ كنتِ في يوم حبيبتي، جلسنا على مقاعد الجامعة الحجرية، وكنّا واضحين ولم تسترنا سوى مظلة القرميد، واختلفنا على اسم الحبِّ واجتهدنا في وصفه، لكن الحرب قامت، فاتفقنا على البرنامج السياسي للمظاهرة الصاخبة “لا سفارة ولا سفير”، وخرجنا تحت مطر سريع في آذار، ووقعتِ أنتِ في كمين ساذج، وتعرَّضتِ لضرب وصفته الصحيفة الملونة بـ”المبرح”، وكتبنا أشياء زائدة في بيان أرسلناه إلى منظمات حقوق الإنسان بواسطة “الفاكس الممسوس”!
سأنجو من العقاب؛ فلا دليل على أنني عضَضْتُ بأسناني اللبنيَّة ذراع أبي، هي مبالغة أمِّي في السرد. وسأخرجُ من الطفولة بلا وثائق تثبتُ أنها حدثت، سوى شهادة ميلاد مكتوبة بالحبر الجاف. لا شيء موثوقا حتى ما ذكرته الصحيفة يقبل الشكَّ، ولا أثر لي على يوتيوب، والمرأة العاقر نسبة زائدة من الخيال. هل نجحت الثورة أم فشل الانقلاب، وهل كنتِ في يوم ممطر حبيبتي؟! لا وثيقة تثبتُ ذلك، حتى صورة “السيلفي” بيننا حدثت بعد عشرة أعوام: أنتِ التقطتِها مع زوجكِ وأنا استعنتُ بالمرآة!

التعليق