تطبيع حماس التي كانت رافضة للتطبيع

تم نشره في الأربعاء 17 أيار / مايو 2017. 12:00 صباحاً

د. سعد الدين إبرهيم

كان ميلاد حركة حماس في قمة الانتفاضة الأولى 1987، وميثاقها الرافض لمنهج حركة فتح التفاوضي، ورفض حل الدولتين والإصرار على الجهاد لتحرير كل فلسطين من البحر (المتوسط) إلى النهر (الأردن)، أي كل فلسطين الانتداب، كما احتلتها بريطانيا العام 1917. وكان ذلك تطوراً طبيعياً للانقسامية في حركات التحرير التي قادها ياسر عرفات. فحركة فتح كانت نفسها تمرداً على منظمة التحرير الفلسطينية التي قادها مُناضل قديم هو الراحل أحمد الشقيري، وعلى الأسلوب التقليدي في المُطالبة بالحق الفلسطيني المسلوب، من خلال المُنظمات الإقليمية والدولية. وتميّزت فتح بقيادة ياسر عرفات بأسلوبها الجديد في الكفاح المُسلح والاعتماد على النفس الفلسطينية. ولكن عبر عشرين سنة، بلا طائل، انتفض أطفال فلسطين في مُقاومة الاحتلال الإسرائيلي بأسلوب جديد أبهر العالم وأكسب القضية تأييداً واسعاً. وكان هذا الأسلوب هو استخدام الحجارة في مواجهة الدبّابات والمُصفحات وجنود الاحتلال. وتلك هي الانتفاضة الأولى ، التي ركبها واختطفها الفرع الفلسطيني للإخوان المسلمين، الذي أطلق على نفسه حركة المُقاومة الإسلامية (حماس)، والرافض تماماً لأي تفاوض أو تنازل أو اعترف بإسرائيل.
 وبالفعل كان هذا التشدد سبباً في التفاف الشباب الفلسطينيين (أطفال الحجارة سابقاً) حول حركة حماس، وتوصيلها إلى السُلطة بانتخابات ديمقراطية في قطاع غزة. ولكن كالعادة، حينما تتحول حركة كفاح مُسلحة إلى حكومة، عليها أن تكنس الشوارع، وتجمع القمامة، وتفتح المدارس، وتُدير المستشفيات والمخابز، لتوفير الاحتياجات الأساسية، فإنها تصبح أقل رومانسية وأكثر واقعية. وهذا ما يجعلها أكثر قابلية لحلول وسطية، وأكثر استعداداً للمُساومة، والأخذ والعطاء.
 وربما كان كاتب هذه السطور (سعد الدين إبراهيم) وأربعين من تلاميذه بالجامعة الأميركية في القاهرة، هم أول من تواصلوا مع قادة حركة حماس، وزيارتهم في قطاع غزة في الأسبوع التالي لوصولها إلى السُلطة، مُباشرة.
وربما يُلاحظ القارئ العادي الفروق في لُغة الخطاب بين حركة فتح، وهي الحركة الأم التي نشأت في أعقاب هزيمة 1967، وحركة حماس التي تأسّست بعد ذلك بعشرين عاماً.
 فالأولى فتح، استحدثت لُغة حركات التحرير الوطني التي كانت شائعة في خمسينيات وستينيات القرن العشرين، ولم تُعادِ إسرائيل على أساس ديني أو عُنصري، ولكن كشكل من أشكال الاستعمار الغربي، وهو الاستعمار الاستيطاني، الذي لا يكتفي باحتلال أراضي الغير عسكرياً، ولكن يقتلع أيضاً سُكانها الأصليين، بحل محلهم سُكاناً دُخلاء من قارات أخرى.
 والمُعضلة في تامل أي حركة تحرير مع الاستعمار الاستيطاني، أن من بدأوا ذلك الاستيطان من الغُرباء الوافدين مع الجيل الثاني الذي يولد على نفس الأرض لا يصبح وافداً، وإنما أصيلاً، لا يعرف وطناً آخر غير ذلك الذي ولد على أرضه، وتربى في كنفه. وهذه الحقيقة رغم مرارتها، وصعوبة استيعابها، فضلاً عن قبولها، هي ما درج الخطاب السياسي العربي بتسميته التطبيع، وأن قبول أمراً كان مُستهجناً لديها في الماضي، كدافع لا بد من التعايش معه. وهو الأمر الذي أدركه الرئيس المصري الراحل محمد أنور السادات العام 1978، أي بعد ثلاثين سنة من قرار الأمم المتحدة بتقسيم فلسطين، فتفاوض وتصالح مع إسرائيل في كامب دافيد (1978)، وهو ما رفضه معظم الفلسطينيين ومُعظم العرب في حينه. وأصبح مُصطلح "التطبيع" كناية ومُرادفاً للاستسلام، إن لم يكن الخيانة للوطن والأمة وللمبادئ القومية!
 ولكن التاريخ يُعلمنا أن الشعوب، مثلها مثل الأفراد، تمر بمراحل من النُضج والواقعية. وهو ما حدث تاريخياً مع بقية حكومات وشعوب الأمة العربية، بما فيها الفلسطينون. وكان آخرهم حركة حماس، التي أعلنت، على لسان قُطبيها؛ خالد مشعل وإسماعيل هنية، ميثاقاً جديداً بتاريخ 1/5/2017. والذي يتزامن مع مرور مائة عام على وعد بلفور الذي التزمت فيه بريطانيا بمُساندة الحركة الصهيونية العالمية بإنشاء وطناً لليهود في فلسطين. كما تتزامن مع مرور ستين عاماً على إنشاء إسرائيل، وأربعين عاماً على اتفاقية كامب دافيد.
 كان قرار التقسيم (1947) يُعطي الفلسطينيين حوالي 50 % من أراضيهم لإقامة دولة عربية، ويُعطي اليهود 50 % لإقامة دولتهم، ورفض الفلسطينيون والعرب قرار التقسيم ودخلوا حرباً خسروها، وتمددت إسرائيل إلى 70 % من الأرض، أي أكثر بـ 20 % مما كان قرار الأمم المتحدة قد أعطاهم. ثم الرفض العربي بعد مُبادرة السادات وتوقيعه اتفاقية سلام مصرية إسرائيلية، ثم اتفاقية سلام أردنية إسرئيلية. ولكن ها هي حركة حماس أكثر الفصائل الفسلطينية تشدداً، تقبل الآن الواقع وتُبدي استعدادها للتطبيع مع الكيان الصهيوني، وهي خطوة عملاقة أرجو أن تُسارع إسرائيل بقبولها، وأن يُسارع العرب بتأييدها لعلنا جميعاً نضع لهذا الصراع العربي الإسرائيلي نهاية، حتى نتفرغ لبناء شرق أوسط عربي جديد، يسوده السلام والرخاء والنماء.
وعلى الله قصد السبيل

التعليق