مروان المعشر

قبول الاختلاف وصل الحضيض

تم نشره في الثلاثاء 16 أيار / مايو 2017. 11:08 مـساءً

عندما كنت وزيرا للخارجية، شكلت لجنة استشارية من شخصيات عامة كان لها باع في الشأن الخارجي، وذلك للاستماع لوجهات نظر مختلفة حول المواقف الأردنية والاستفادة من خبراتهم الطويلة في الشأن السياسي والدبلوماسي. فكان أن اتصل رئيس الوزراء معاتبا لأن إحدى هذه الشخصيات لها مواقف متباينة مع الموقف الرسمي في حينه. يومها استغربت هذا الاتصال وقلت للرئيس إنني لو أردت أن أسمع تكرارا للموقف الرسمي فلا حاجة للجنة أساسا، وأن الهدف من تشكيلها هو تماما سماع آراء متباينة مع الموقف الرسمي علها تؤكد أو تثري أو تصحح أو تهذب من هذا الموقف.
إن كنت استغربت هذا الموقف قبل أكثر من عقد من الزمان، فقد أصبح اليوم سياسة عامة. ولم يعد الفضاء السياسي الرسمي مستعدا لسماع أي رأي مخالف، وأقل ما يقال عن الذين لهم موقف أو رأي مغاير إنهم "يغردون خارج السرب"، باعتبار أن هذا السرب مقدس ومعصوم من الخطأ لا يحتاج إلا رفا من الحمام يغرد معه أو يصمت تماما.
كنّا قديما في مرحلة كانت المعارضة مغيبة عن الإعلام الرسمي، أما اليوم فوصلنا مرحلة أصبح فيها العديد من رجال الحكم أنفسهم مغيبين بالرغم من إلغاء وزارة الإعلام وإنشاء مجلس إدارة "مستقل" للإذاعة والتلفزيون. كم كنت ساذجا قبل واحد وعشرين عاما حين كتبت قانون إلغاء الوزارة يوم كنت وزيرها، فإذا بالتدخلات لا تأتي بالضرورة من الوزارة أو الحكومة.
وصلنا اليوم إلى الحضيض في مجال الاستماع لجميع الاّراء؛ أصبح من الممنوع على رؤساء وزارات ورؤساء مجالس أعيان سابقين وغيرهم الظهور على وسائل الإعلام الرسمي. بيت القصيد ليس الظهور من عدمه، فوسائل الإعلام الرسمية لا تشاهد أصلا من قبل غالبية المواطنين، ووسائل الإعلام الأخرى "أكثر من الهم على القلب"، ولكن هذه الممارسات من خارج الحكومة تظهر مدى ما وصل إليه الفضاء السياسي الرسمي من انغلاق لا يمكن أن ينتج عنه تطوير صحي لأي حياة سياسية حقيقية.
في ورقته النقاشية الأولى يقول جلالة الملك إن "الديمقراطية لا تكتمل إلا بالمبادرة البناءة وقبول التنوع والاختلاف في الرأي". ويضيف أن الاختلاف "ليس شكلا لانعدام الولاء" وأن "الحوار فيما بين أصحاب الآراء المختلفة هو جوهر الديمقراطية، والديمقراطية هي الأداة التي تجعل من الحلول التوافقية أمرا يمكننا من المضي إلى الأمام".
واضح أن أجهزة السلطة التنفيذية الأخرى لا تطبق هذا الكلام الراقي إطلاقا، ويبدو أن دائرة الحوار، بفعل البعض ممن ما يزال يؤمن باحتكار الحقيقة، ماضية في الانكماش وغير عابئة بكل الأفكار البديلة التي تقدم في مجالات الإصلاح السياسي والاقتصادي والمجتمعي، وحتى في مجال كالتعليم حيث الدولة مهتمة بتطويره، لم تكلف الدولة عناء الاتصال بأغلب من كتبوا في هذا المجال وقدموا اقتراحات وازنة كالدكتور ذوقان عبيدات وحسني عايش وغيرهما.
طالما بقينا في وضع تشعر فيه أجهزة السلطة التنفيذية أنها تمتلك جميع الحلول لعموم المشاكل، وأنها في غنى عن "وجع الرأس" الذي قد يأتي من خارجها، وطالما تشبث البعض بامتيازاته ومصالحه الخاصة على حساب الصالح العام، من الصعب تصور كيف سنخرج من أزمتنا السياسية والاقتصادية والمجتمعية، وكيف يمكن أن نبني مجتمعا حداثيًّا. عبر تاريخ المملكة، لم تكن دائرة الحوار ضيقة كما هي اليوم، ولم تكن فجوة الثقة واسعة كما هي اليوم.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »الاختلاف (د فيصل مرار)

    السبت 20 أيار / مايو 2017.
    د المعشر يعبر عن رأي تسعين في المئة من الشعب الأردني اسمحوا لنا ان نختلف كيف تبنى الديمقراطيه الا بالاختلاف !
  • »قبول الإختلاف وصل الحضيض؟؟ (يوسف صافي)

    الأربعاء 17 أيار / مايو 2017.
    ان جاز لى التعليق استهلالا بالمثل "على قدر اهل العزم تأتي العزائم" استاذ مروان ومن باب النقد البناء ان كان من متسع بعد في الصدور ؟؟؟ واقع المعارضة " التي تلج الى أهدافها يتم من خلال رصيد مخزونها لدى الراي العام وليس من باب تنظيرات ومطالبات رموزها وقياداتها ونخبها التي ول الأسف لاتتعدى بصداها مجالسهم ومقراتهم ؟؟؟والأنكى تفشي سياسة راس روس "كل وأحد بدو على راسه ريشه" الذي أوصلهم الى صراع الديكة بأصواتها في الهواء الطلق الذي لايرضي راي عام ويعول عليه في مواجهة السلطة التنفيذية ؟؟؟انظر كم من الأحزاب عديدا ومسميات والذي اصبح يتوالد اشبه بالفطر السام ؟؟؟ وخصوصا في ظل برق ورعد وظلام حرب المصالح التي تحرق المنطقة ؟؟؟ناهيك عن تجاربها السابقة في الساحة الأردنية وان بدت قويه بطروحاتها وصداها وعديد مناصريها ومنتسبيها وكيف تهاوى ذلك بعكس الرسم البياني صعودا التي جرت عليه الأحزاب الناجحة في العديد من الدول؟؟؟ ولوتمعنّا وبقراءة اوسع على مستوى الوطن العربي ؟؟؟ لو (الواجبة ) كانت هناك أحزاب قوية تلبي رغبات ومطالب الحد الأدنى لشعوب الأمة لما كان هناك طفرات شعبية(اشبه بزلزال وليس ثورات كما تم تسميته حتى من النخب والأحزاب حيث الثورة مؤطرة من قبل حزب واو أحزاب مجتمعه يساندها الجمهور وبعكس الطفرة دون تأطير لضعف الأحزاب والنخب ) من أجل التغيير والإصلاح ؟؟ والأنكى وعوضا ان تشكل مجلس سلامة من أجل الحفاظ على وجهة بوصلة الطفرة ركبت موجة تسوناميها متسرعّة لقطف برعم الربيع قبل بزوغه سعيا لمصالحها الضيقّة (انظر الأحزاب المتسرعّة ومن استدرج منهم لشهوة السلطة ونتائجه على سبيل المثال في مصر (من تلاقوا بشتى مسمياتهم من خلال المناظرات التلفزيونية ولوجا للتغييروالديمقراطية كيف انقلبوا على بعضهم لاوبل خرجوا تأييدا مع من عزل اصدقاء الأمس الذين وصلوا عن طريق الصناديق (الديمقراطية) لا وبل اصبحت الديمقراطية وفق الألوان وديمقراطية "مشفّى وبعظمه"؟؟؟ المعارضه الوطنية اليوم المواليه غدا وهكذا دواليك في ظل النضوج السياسي وثوابته؟؟؟ روافعه الأحزاب الوطنية القوية بمناصيريها ومنتسيبيها حيث الجميع في مركب وأحد ؟؟؟ ودون ذلك معارضة "يا لعيب ياخريب "( جهلا و او تبعية و او تقليدا) والكل يغني على ليلاه والأنكى من يغني على ليلى غيره حتى وفي خضم الأمواج المتلاطمة التي تقذف بالمركب الذي على متنه الجميع؟؟؟ "ربنا لاتزغ قلوبنا بعد اذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة انك انت الوهّاب"