علاء الدين أبو زينة

عقود من مقاومة النكبة..!

تم نشره في الأربعاء 17 أيار / مايو 2017. 11:07 مـساءً

يفكر الفلسطيني مع تواصُل النكبة:
لماذا قسمتي في الدنيا أن أكون مواطناً في العالم الثالث، الذي يكافح لينهض من ضربات الاستعمارات ويدب متثاقلاً خلف بقية العالم؟ وأن أكون عربياً، بما هم العرب فيه من التيه والأزمة والصراع وفقدان البوصلة؟ ثم أن أكون فلسطينياً بالتحديد، منتمياً بالولادة إلى شعب قدره أن يُنتزع منه وطنه ويشُرَّد، بتواطؤ ضمني وعلني من بقية العالم؟ لماذا خياراتي قليلة: إما قتيلاً أو أسيراً، أو تحت ذل الاحتلال، أو لاجئاً منفياً؟ ولماذا أنا محكوم بقدر المقاومة الأبدية؟
منذ نكبة 1948، وجد كل فلسطيني من الأجيال المتعاقبة نفسه في حالة اشتباك دائم، إن لم يكن في الجبهة الأمامية مباشرة مع العدو الوحشي، فمع القوى الشرسة التي تحاول أن تدفعه –جسماً ومعنى وهوية- إلى ثقب النسيان. وقد لخصت رئيسة وزراء الكيان السابقة الدموية غولدا مائير، عنوان هذه الحرب، فقالت إن الفلسطينيين "ليسوا موجودين". ويتكرر هذا الإنكار العنيد للوجود الفلسطيني في تصريحات أعداء الحقيقة والإنسانية، مثل ما قاله قبل بضع سنوات السياسي الأميركي نصير الاحتلال، نيوت غينغريتش، من أن "الفلسطينيين شعب مختلق". وتتخذ الحرب ضد الوجود الفلسطيني شكل التطهير العرقي، والإبادة الجماعية، والطرد والسجن، وشطب الرواية، ومحاولة تحويل الفلسطينيين إلى أشباح.
اللاطبيعية هي سمة حياة الفلسطيني في كل مكان. بالنسبة إليه، ليست هناك بقعة في الأرض مضيافة بالمعنى المطلق. إنه ليس "مغترباً" عادياً يستطيع أن ينهي اغترابه بقرار العودة إلى الديار. وهو يفعل كل ما يفعله الآخرون للوفاء بمطالب الحياة، لكنها لا تعطيه ما تعطيه للآخرين. وفي كثير من أماكن الشتات، يواجه الفلسطيني مناطق وأعمالاً محظورة عليه لأنه فلسطيني. وحتى لو توفر له وصول مفتوح إلى كل شيء، فهناك الزاوية القاتمة التي لا بد أن يجدها في نفسه، ذلك الحرمان من أساسيات مفروغ منها بالنسبة الآخرين.
يعبر الباحث الفلسطيني البارز د.سلمان أبو ستة بإيجاز بليغ عن معضلة الفلسطينيين، فيقول: "في كل البحوث التي أجريتها، لم أجد سبباً أخلاقياً أو قانونياً أو ديموغرافياً أو تاريخياً أو جغرافياً واحداً لكي أكون لاجئاً وأبقى لاجئاً... لم أستطع أبداً أن أفهم لماذا دمر الصهاينة حياتي وحياة ملايين الفلسطينيين الآخرين، أو كيف تم تصوير هذه الجريمة على أنها انتصار للحضارة وتحقيق للإرادة الإلهية".
وفي الحقيقة، يتعقب كل فلسطيني في أي لحظة الصلة بين شروط لحظته وبين أصولها في النكبة. ويستطيع أن يكون متأكداً من حقيقة واحدة: لو كان وطني حُراً ولم أُصب بقدر النكبة، لكانت لحظتي الآن مختلفة تماماً. أستطيع أن أفكر في عدد لا متناهٍ من الاحتمالات، وكلها أفضل.
المقاومة كحالة، وكفعل دائم وحتمي في الحالة الفلسطينية، ليست خبرة مريحة وطبيعة. ربما لا يستطيع الناظر من الخارج تصوُّر ماهيّات وأدوات وعمل المقاومة اليومي في خبرة الفلسطيني، لأنه ليس في مكانه. لم يتمكن الفلسطينيون من التغلب عسكرياً على المستعمر البريطاني، ثم المستعمر الصهيوني ورعاته العالميين، لكنهم تصدوا كل الوقت لهجوم شبه عالمي يستهدف إلغاءهم وإخراجهم من التاريخ. وقاوموا أصوات التيئيس والإحباط في أنفسهم ومن الآخرين. وقد جعلت مقاومتهم العدو غير مرتاح قطعاً بعد كل ما فعله لتأسيس نفسه على أنقاضهم. إنه خائف يحيط نفسه بالجدران ويضع مسدسه تحت رأسه، مثل كل سارق لِحقّ وراءَه مطالب. وإذا كان كل وأي طفل فلسطيني جديد في كل وأي مكان يعرِّف نفسه بمجرد أن يتعلم الكلام بأنه فلسطيني، فإن فعل المقاومة الفلسطيني المستمر نجح في حفظ الوجود الفلسطيني، وضَمن إبقاء الصراع مفتوحاً على أي احتمالات.
لم تكن النكبة حدثاً نُقَطياً بدأ وانتهى العام 1948، وإنما هي حدث خطّي ما يزال العدو يحاول استكماله كل الفترة منذ ذلك الحين. ومن الواضح أنه عجز عن إنجاز "نكبة كاملة" بالفلسطينيين، والتي كان ليحققها فقط بشطب الوجود الفلسطيني وإسقاط السيرة الفلسطينية من التاريخ. وعلى مدى نحو سبعة عقود، انخرط الفلسطينيون، وما يزالون، في مقاومة لا تكل للنكبة وإحباط تأبيدها. وهم يقفون طرفاً حاضراً بقوة في صراع وجودي غير محسوم ومفتوح على الاحتمالات، عنوانه هزيمة النكبة.

التعليق