اندثار مهارة الكتابة اليدوية

تم نشره في الأربعاء 17 أيار / مايو 2017. 11:00 مـساءً

ماسة دلقموني

"إحنا هيك بنتعلم أحسن، هيك أسلوبنا، يعني اسمحولنا ناخد الملاحظات على الكمبيوتر، ليش لازم كتابة؟!"
تسقط تلك الكلمات الخارجة من أفواه الطلاب على أذني بثقل عظيم لا اعرف لماذا! أبتسم مؤكدة حسن الإنصات ليكملوا حديثهم قائلين: "المعلمات والمعلمين ما بفهموا علينا، إحنا غير، بنتعلم بطريقة مختلفة". أخرج من جلسة العصف الذهني تلك إلى خلوة أفكاري وقناعاتي التي تتناقض مع كل ما اقتُرِح، فأنا شخص يعشق الورقة والقلم ويرى في الحبر سحرا لا مثيل له. أخرج متسائلة: "أيُعقَل أن يخط قلمي مقالا عن اندثار مهارة الكتابة اليدويّة!" فإذا بي أجيب نفسي: "لمَ لا! كتبت سابقاً عن اندثار الحقائب المدرسية، أوَ ليس القلم في الحقيبة؟".
وكعادتي أعود بنَهَم لأبحث عن أثر استخدام لوح ومفاتيح الطباعة على العملية التعلمية للطلاب، لأجد نفسي أبتعد عن الموضوعية في هذا البحث كأنَّ قلمي يأبى كتابة إلّا ما هو في صالحه. هذه هي الحقيقة التي من مسؤوليتي أن أشارككم إياها قبل التعمق في قراءة هذا المقال، فأنا أكتب بتحيّز كامل لرفيق دربي القلم، وللمهارة التي تنقل أفكاري بسلاسة من وجداني إلى الورقة – بغض النظر عن جمال الخط – تماماً كما تنقل الآلة الموسيقية المشاعر من روح العازف إلى المسامع. وبمناسبة هذا التشبيه ما أزال أذكر دهشة الوجوه التي كانت بجانبي في معرض تكنولوجيا التعليم في لندن عندما خرجت فرقة من طلاب المدارس ليعزفوا لنا مقطوعة موسيقية كاملة باستخدام اللوح الإلكتروني، ما أزال أذكر ردّة فعل دماغي في تلك اللحظة محاولاً الربط بين حاسة السمع وحاسة البصر. أحاول الاستمتاع ولكن بلا فائدة فالرسائل القادمة من أذني لا تتطابق مع توقعات دماغي البصرية، فأفقد التركيز بحثاً عن الآلات الموسيقية. أُغلق عيني فأستَمتِع بالنغمات، وما أن أفتحهما حتى أشعر بالانزعاج. أترك القاعة بشعور مماثل لجلسة العصف الذهني تلك، شعور يجد صداه لدى الأهالي من حولي: تناقض مستفز ناتج من سرعة كِبَر الفجوه بين ما تعودت عليه عقولنا من طرق نراها مثالاً للتعلم، وما يمارسه ويطالب به أبناؤنا من أساليب تعلُّم تتناسب مع عصر السرعة والتطور التكنولوجي الذي يعيشونه.
لن نغض النظر في هذا المقال عن المعطيات، فنحن كأكاديميين وأهال نعيش في ذات العصر، فالأفكار والتساؤلات المطروحة هنا لا تُعارض أبداً أهمية مواكبة التطور التكنولوجي وأهمية الطباعة، بل تستوقفنا قليلاً للتفكُّر في أثر استحواذ الطباعة على مهارة الكتابة اليدوية في العملية التعلمية للطلاب من عمر مبكر، وهو ما نراه اليوم في الكثير من مدارسنا، فتلاشي الكتابة - التي رافقت البشرية منذ ما يقارب 5000 عاماً، سواء استخدام الأدوات الحادة من النقش على الصخور، أو الريشة والحبر على ورق البردى، أو الأقلام على الأوراق، أو حتى القلم الذكي على اللوح الخاص به - هو ما يشغل بال الكثير من الباحثين اليوم.
 "تأثير تجربة الكتابة اليدوية على الوظائف التطورية للدماغ في الأعمار المبكرة" هو عنوان البحث الذي تم نشره العام 2012 لمجموعتين من الطلاب بعمر الخمس سنوات للدكتورة (كارين جيمس)، ووجدت فيه أن المجموعة التي تعلّمت الحروف عن طريق الكتابة اليدوية، قامت بتفعيل ثلاث مناطق من الدماغ في آن واحد، وهي نفس المناطق المُفعَّلة عند البالغين عند ممارستهم للكتابة. وفي المقابل، لاحظت تفعيلاً قليلاً جداً - وقد يكون غير ملحوظ في الصور الطبقية - لتلك المناطق بالنسبة لتلك المجموعة التي استخدمت الطباعة لتعلم ذات الحروف.
سبق هذا البحث الكثير غيره، وسأذكر هنا إحداها لعالمة النفس (فيرجينيا بيرنينجر) بعنوان "التطور المبكر للغّة باستخدام الكتابة اليدوية"، والذي تم نشره في العام 2006 لأطفال بين أعمار سبع إلى عشر سنوات. حيث أكَّد البحث أنَّ كلاً من الطباعة والكتابة مرتبط بأنماط دماغية منفصلة تماماً، وأنَّ الكتابة باليد تُنَمّي القدرة على تعلُّم كلمات جديدة، وصياغة أفكار جديدة، بشكلٍ يفوق الطباعة، وذلك لارتباط الكتابة بشكل مباشر بالجزء الدماغي المسؤول عن الذاكرة العاملة التي تساعد الطلاب على استرجاع المفردات بسهولة، وإعادة صياغتها من خلال التعبير عن أفكار جديدة. وتقترح الباحثة بهذه الورقة بأن ممارسة مهارة الكتابة اليدوية - خصوصا المشبكة منها - تُعَدُّ من الوسائل المُهمّة لمساعدة الطلاب الذين يعانون عسر القراءة وخلل الكتابة.
 ولا بُدَّ لي هنا أن أُشير لثلاث دراسات شهيرة لعالِمَيْ النفس (بام مولر) و (دانيال أوبنهيمر) بعنوان "حسنات الكتابة على الطباعة في أخذ الملاحظات" العام 2014، والتي وجد فيها الباحثان فرقاً ملحوظاً في ارتفاع مستوى قدرة الطلاب على التعلم عند أخذ الملاحظات باليد بدل الطباعة، ففي كلِّ مرّة استخدم فيها الطلاب أسلوب التدوين اليدوي، لاحظ الباحثان ازدياد قدرة التحليل والربط وإعادة ربط المعلومة وتخزينها بالذاكرة بشكل يفوق مقدرة الطلاب الذين دوَّنوا ملاحظاتهم بالطباعة.
  لن أحاول أن أختم المقال هنا باقتراح معادلة سليمة تُستخدم في المدارس للمحافظة على التوازن بين الكتابة باليد والطباعة، خصوصا بعد أن دخلت ابنتي علَيَّ وأنا أختم هذا المقال وقالت: "ماما إذا لقيتي إشي بقول إنو الكتابة أحسن من الطباعة أو الطباعة أحسن من الكتابة، لا تقولي للمعلمات، خصوصاً العربي، لأنّو الواجبات إحنا لا بنكتب ولا بنطبع، إحنا بس نقول الكلمات للـ(آي باد) وهو بكمل"  فجأة شعرت بأنني أتيت لتوّي من العصر الحجري، فأنا أكتب اليوم عن اندثار الكتابة اليدوية، بينما يتحدث الجيل الجديد عن مرحلة اندثار الطباعة.
سأختم المقال هنا قائلة للحديث تتِمّة.
 

متخصصة في قضايا التربية والتعليم

التعليق