منظومة الأمن الوطني

تم نشره في الأربعاء 17 أيار / مايو 2017. 11:00 مـساءً

د. عبدالرزاق بني هاني – رئيس جامعة جرش

تشرفت وزملائي، رؤساء الجامعات الرسمية والخاصة، بدعوة كريمة من آمر كلية الدفاع الوطني للحديث عن تصورات القادة الأكاديميين عن منظومة الأمن الوطنية ومكوناتها، والعوامل المؤثرة فيها. وأظن شخصياً بأن الحديث عن هذا الموضوع المهم قد جاء في الوقت المناسب، إن لم يكن متأخراً بعض الشيء، وذلك نتيجة للأوضاع المأساوية التي تمر بها المنطقة. فالأوضاع في العراق وسورية واليمن وليبيا وصلت إلى حد نقطة الانكسار (breaking point)، وهي حالة يقول عنها المخططون الاستراتيجيون بأنها تمثل انفراط العقد الاجتماعي والسياسي داخل الدولة، وفيها تحدث تحولات سياسية واجتماعية غير معهودة داخل المجتمع المعني، ليست قابلة للعودة.
تحدث بعض الزملاء الذين شاركوا في اللقاء، وقدموا أوراقاً بحثية تناولت جوانب أمنية وعسكرية، وجوانبَ أخرى مهمة عن بعض مخرجات تراخي، أو انهيار، منظومة الأمن الوطني، لكن جوهر المنظومة يتكون من عوامل عدة ذكرتها في اللقاء دون الخوض في تفاصيلها، بسبب ضيق الوقت المتاح. وها أنا اقدمها في الشرح التالي، وهي مستقاة مما يركز عليه، في العادة، المخططون الذين تناط بهم مهام هدم الدولة العدوة. فالعدو الذكي لا يستعمل القوة العسكرية إلا في أضيق الحالات، وهو يُمهد لانهيار الدولة العدوة بواسطة عوامل تعمل على مدار سنواتٍ، وربما عقود، على صناعة ما يُسمى حقول التشتت (dispersion fields)، المتعددة، وجلها يكون في المجالات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية. وهذه الحقول هي مجالات الاختبار التي تنبعث منها مؤشرات متعددة عن مدى قوة الدولة أو ضعفها، والكيفية التي يمكن للعدو أن يستغلها في بناء استراتيجية مناسبة لهدم الدولة المُستهدفة.
دعنا نأخذ مثالاً بسيطاً عن حقول التشتت، وكيفية عملها على هدم الدولة، مهما كانت قوية:
كان الاتحاد السوفياتي السابق القوة الثانية إن لم تكن القوة الأولى في العالم قبيل تفككه (تفكيكه) بعقدٍ أو عقدين من الزمن، وشكلت مساحته ما يزيد قليلاً على (15 %) من المساحة الكلية للعالم، وامتدت أراضيه وتحالفاته من الحدود الشرقية والشمالية لأوروبا الغربية وحتى أقصى حدود الولايات المتحدة في شمال غرب آسيا، عند حدود ولاية آلاسكا، ومن المحيط المتجمد الشمالي وحتى حدود تركيا والصين واليابان في اقصى الشرق والجنوب. لكن هذا الاتحاد الواسع والقوي احتوى تناقضاتٍ دينية وعرقية واقتصادية وسياسية، عملت بفعلها المُدمر، على مدار الأيام، على اندثاره.
ظن الاستراتيجيون الغربيون، ويأتي في مقدمتهم مخططو السياسة الأميركيون، بأن الاتحاد السوفياتي كان عصياً على الاختراق والتلاعب، وذلك نتيجة للمعتقد السائد آنذاك بأنه كان وحدة سكانية متجانسة، إلى حدٍ ما، ومتماسكاً من الجوانب الاقتصادية والسياسية والاجتماعية. لكن المعلومات والبيانات التي كشفتها أزمة القمح والغذاء داخله قد أظهرت للمخططين الغربيين بأنه لابد من استغلال الثغرات الكامنة في هيكل منظومة الأمن القومي السوفياتي، والعمل من خلالها على تفكيكه من غير عسكرة وحروب وثورات. فما هي تلك الثغرات؟
استغل المخططون الغربيون سبعة مقومات، يقول عنها علماء الاستراتيجيا السياسية بأنها تشكل أركان منظومة الأمن الوطني لأي دولة مهما كان شكلها ومهما كانت صغيرة أو كبيرة، قوية أو ضعيفة، وهي ذات المقومات – الأركان التي اعترف باستغلالها الجواسيس السوفيات، الذين بثتهم وكالات الاستخبارات الغربية داخل مؤسسات الاتحاد السوفياتي، بما فيها مكتب تمثيل الاتحاد السوفياتي في الأمم المتحدة. وهذه المقومات – الأركان هي على النحو التالي: 1) الدين. 2) التعليم. 3) العلاقات العمالية. 4) الاقتصاد.5) العلاقات الاجتماعية.6) هيكل القوى داخل المجتمع. 7) النظام والقانون. وقد يُضاف إلى ذلك ركن ثامن يتمثل بـ 8) الأسرة، لكنه عادة ما يندرج تحت ركن العلاقات الاجتماعية.
تمكنت الدول العظمى من استغلال هذه الأركان على نحوٍ لافت وكفاءة عالية، وبخاصة في إضعاف الدول المُستهدفة، ثم انتزاع امتيازات كبيرة في مجالات حيوية تصب في مصالح الدولة القوية، الاقتصادية والسياسية والاستراتيجية. وفيما يلي التحليل الذي يركز حوله علماء وخبراء الاستراتيجيا، وكيف تمكنت الدولة العظمى (القوية) من تحقيق مثل هذه المصالح.
أولاً) صناعة ودعم المِلل والنِحَل: يتجلى هذا الركن في حقل الدين، حيث تقوم الدولة القوية باستغلال تباينات الرأي، داخل المجتمع المُستهدف، حول المبادىء الدينية، وحول الدين ذاته، ودوره في بُنية المجتمع، وعلاقته بالعمل السياسي، والعمل على خلقِ دينٍ أو أديان موازية وترسيخها على أنها معتقدات ذات أصولٍ وجذورٍ تاريخية حقيقية. وفي هذا المجال استطاعت الدولة القوية استغلال تجمعاتٍ وحركاتٍ دينية معينة تحت مسمياتٍ متعددة كالديمقراطية وحقوق الإنسان، ومناهضة معاداة السامية، ومحاربة التطرف والإرهاب. وتمثلت المُحصلة النهائية، على الأقل في الأمد المنظور، في تشتيت رؤى المجتمع حول القاسم الديني المشترك، ما يؤدي إلى خلخلة البناء الاجتماعي في الدولة المستهدفة.
عادة ما يستحضر الخبراء الاستراتيجيون تجربة الاستخبارات الغربية في إضعاف البناء السوفياتي، وبخاصةٍ في مجال استغلال الاختلافات الدينية والاجتماعية والعرقية، وكيف تحققت الاستفادة مما جرى في تهجير اليهود إلى فلسطين والغرب، قبيل وخلال وبعد فترة ميخائيل غورباتشوف.  وقد يكون من المفيد لفت الانتباه إلى ما يجري استغلاله الآن في منطقتنا من صراعات مذهبية وطائفية، ممزوجة إلى حدٍ ما بالعرقية، وما يترتب عليها من هدم لمجتمعاتٍ بأكملها.
ثانياً) تحويل التعليم إلى قوالب وأطر فارغة: تعمل الدولة القوية على استهداف التعليم الأساسي العام والعالي في الدولة المُراد اضعافها، وذلك بالعمل على تهميش الأداة الأساسية في النظام التعليمي وهي المعلم والاستاذ الجامعي، وتفريغ الموضوعات والتخصصات الأكاديمية من مضامينها المفيدة، لتغدو أدوات تجهيل ووهم حقيقيين. ومن عادة الدولة القوية أن تستقطب الكفاءات العلمية في التخصصات التي من شأنها أن تؤدي إلى تنمية اقتصادية أو نهضة علمية، بواسطة المحفزات المالية والمغريات غير المالية، وتشجيع البلد المُستهدف على التوسع غير المدروس في قاعدة التعليم في التخصصات غير المجدية، التي لا يطلبها سوق العمل، وإغراق سوق العمل بتخصصات موازية، ما يؤدي بالتالي إلى حدوث بطالةٍ هيكلية على النحو التالي: بطالة في صفوف حملة الشهادات الجامعية من كل التخصصات، ونقص حاد في العمالة المهنية والحرفية من كل التخصصات. وهو ما حصل فعلاً في أوروبا الشرقية ويوغوسلافيا السابقة، أي تراكم كبير جداً في حملة الشهادات الأكاديمية، ونقص حاد في العمالة المهنية والحرفية الماهرة. وقد استغلت الاستخبارات الغربية مثل هذه الأوضاع في يوغوسلافيا، وأوروبا الشرقية قبيل انعتاقها من الهيمنة السوفياتية. وأدت إلى هجرات واسعة من شرق أوروبا إلى غربها، وكادت أن تؤدي إلى قلاقل اجتماعية جمة في تلك المناطق، لولا الانفتاح الأوروبي الغربي أمام العمالة من أوروبا الشرقية.
ثالثاً) العلاقات العمالية: لن أسترسل في هذا المجال، لكني أذكّر بـ نقابة عمال التضامن (solidarity union) البولندية، بقيادة ليخ فاليسيا، والتي كانت مقدمة لانفكاك بولندا عن حلف وارسو، وانعتاقها من الهيمنة السوفياتية، وتفكك حلف وارسو برمته.
رابعاً) الاقتصاد: تستغل الدولة القوية مجمل الأوضاع الاقتصادية في الدولة المُستهدفة، كي تضعفها وتسيطر على مقدراتها إن أمكنها ذلك. ومن أوضح الأمثلة على ذلك قيام الاستخبارات الغربية باستغلال الأوضاع الاقتصادية المتردية، في الاتحاد السوفياتي السابق، في خلخة الاتحاد نفسه وتفكيكه، ثم قيام الدول القوية باستغلال الموارد الطبيعية، بما فيه النفط والغاز، في الدول التي تحررت من ربقة السوفيات، ومنها دول كازخستان وأذربيجان وأرمينا. وتمثل الحالة الاقتصادية التي سادت في العراق قبيل الغزو الأميركي في العام (2003) أوضح مثالٍ على كيفية استغلال الحالة الاقتصادية لتحقيق هدف انهيار الدولة المُستهدفة، بدون قوة عسكرية كبيرة.
خامساً) العلاقات الاجتماعية: يمكن اختصار أهمية هذا الركن المهم في ما يسمى قانون التماسك الاجتماعي: كلما كان المجتمعُ متماسكاً زادت قوته ومقاومته للعدو المتربص، والعكس صحيح، أي كلما تفسخت العلاقات الاجتماعية انخفضت مناعة الدولة أمام الأطماع الخارجية.
سادساً) هيكل القوى داخل المجتمع (power structure): ماهو هيكل القوى داخل المجتمع، وماهي أهميته؟
هيكل القوى في مجتمعٍ ما هو الفرد أو مجموعة الأفراد الذين يحكمون المجتمع ويضبطون السياسات التي تنظم عمله. وكلما تركز هيكل القوى بيد شخصٍ أو مجموعةٍ قليلة من الأشخاص، كان من السهل تخلخل بنيان المجتمع والدولة، في حين أن توزع هيكل القوى بين عددٍ أكبر من الأشخاص والمؤسسات، يعمل على تصعيب خلخلة بنيان المجتمع والدولة.
هناك أمثلة عديدة يمكن الاستدلال منها على خطورة تركز هيكل القوى بيد شخصٍ أو مجموعة قليلة من الأشخاص. والتاريخ السياسي للدول حافلٌ بالأحداث والوقائع التي تبين صدق هذه الأطروحة. فالدولة الرومانية، على سبيل المثال، عاشت لقرونٍ عديدة عندما كان القيصر يشارك الكونغرس (مجلس الشورى الروماني) بقرارته المتعلقة بالمسائل الكبرى المهمة للإمبراطورية الرومانية، وانهارت الإمبراطوية عندما تفرد القيصر بالقرارات المصيرية. وقد انمحقت ألمانيا النازية بسبب التفرد بالقرارات وتركز القوى. وعاشت الولايات المتحدة، وحتى هذه اللحظة، أربعة حروب كادت أن تسحقها لولا القاعدة الواسعة لهيكل القوى. وهذه الحروب هي: الحرب الأهلية (1860 – 1864)، الحرب العالمية الأولى (1914 – 1918)، الحرب العالمية الثانية (1939 – 1945)، والحرب الباردة (1950 -1992). أما الاتحاد السوفياتي فقد عاش حرباً واحدة خرج منها شبه مُدمر وهي الحرب العالمية الثانية (1939 – 1945)، ولم يحتمل عبء الحرب الثانية، وهي الحرب الباردة (1950 – 1992).
تستطيع الدولة القوية أن تستغل الثغرات في هيكل قوى الدولة المُستهدفة إذا كان الهيكل متركزاً، حتى وإن كانت قوية، وتلحق بها أضراراً عظيمة قد تؤدي إلى اندثارها.
سابعاً) النظام والقانون: ليس من الصعب، وفي إطار منظومة الأمن الوطني، اكتناه فكرة ومبدأ دولة النظام والقانون. وقد بينت تجارب الأمم بأن دولة النظام والقانون، وما يترتب عليها من قسط وعدل، وإنفاذ حكم القانون، تكون عصية على الاختراقات التخريبية. ويعود السبب في ذلك إلى قانون تماسك القوى الاجتماعية والسياسية، وبالتالي مبدأ تماسك هيكل القوى داخل الدولة.
إن قابلية دولة القانون والنظام للاستدامة تكون أعلى بكثير من دولة الفوضى والمحسوبية وتعدد المعايير، والسبب في ذلك لا يحتاج إلى شرح أو تفصيل.

التعليق