المملكة الوسطى تلتقي بالشرق الأوسط

تم نشره في الجمعة 19 أيار / مايو 2017. 12:00 صباحاً
  • الرئيس الصيني شي جين بينغ يصافح الملك السعودي سلمان بن عبد العزيز في بكين مؤخراً - (أرشيفية)

ريتشارد فونتين؛ ومايكل سينغ* - (أميركان إنترست) 3/4/2017

ترجمة: عبد الرحمن الحسيني

في فيلم فيديو جديد أصدره تنظيم "داعش"، والذي حظي بلا شك بانتباه بكين، يهدد متشددون أويغوريون "بسفك الدماء كالأنهار" في الصين، ويتعهدون بالانتقام للمقموعين، ويقومون بحرق العلم الصيني. ويأتي هذا الإصدار الذي يشكل أول مثال ظاهر على تهديد "داعش" للصين بينما كان ما يقدر بمائة مواطن صيني قد غادروا الوطن للانضمام إلى المجموعة الإرهابية. كما أن الحادثة تسلط الضوء بقوة على الصلة القوية بين التهديدات الأمنية في الشرق الأوسط، وبين إحساس الصين بمصلحتها القومية.
توسَّع دور الصين في الشرق الأوسط بصورة محسوسة في الأعوام الأخيرة. وسوف يتم الشعور بنشاطها في المنطقة وخارجها أيضاً. وبينما تقوم تدخلات روسيا بتغيير سياسات الشرق الأوسط (وأحدث شيء في ليبيا)، ومع تنافس قوى خارجية أخرى في المنطقة، سوف تحتاج إدارة ترامب إلى أن تحسب حساباً لنشاط القوة الكبرى فيما هي تضع سياساتها. وبينما تقوم بذلك، يجب عليها تأمل الدور الصيني الجديد، وكيف أن النشاط الصيني في الشرق الأوسط قد يعيد صياغة العلاقات الثنائية بين البلدين بشكل عام.
في شباط (فبراير) من العام 2011، أصدر مسؤولون عسكريون صينيون إعلاناً كان بمثابة خطوة أولى تاريخية لبلدهم: فقد أعادوا توجيه الفرقاطة "شوزهو" التي كانت قد نشرت في السابق في خليج عدن للمشاركة في عمليات محاربة القرصنة، إلى شواطئ ليبيا لدعم إجلاء 35.000 مواطن صيني هاربين من الحرب هناك. ولم تمثل تلك الخطوة أول عملية بحرية استكشافية رئيسية للصين في الأوقات الحديثة وحسب، بل إنها تضمنت أيضاً أول استخدام صيني لطائرات نقل عسكرية بعيدة المدى لأغراض إنسانية.
كانت تلك العملية من نوع درجت الولايات المتحدة على القيام به مرات عدة، لكنها أشارت بالنسبة للصين إلى وجود قدرات والتزامات جديدة. كما ساعدت السفن الصينية في إجلاء مواطنين غير صينيين من ليبيا. وقامت قواتها البحرية لاحقاً بتكرار العملية نفسها، وإنما على مقياس أصغر، في اليمن. ومما لا شك فيه أن هذا التطور أظهر للقادة الصينيين الفائدة من وراء نشر أصول بحرية أمامية. كما أنها ساعدت أيضاً في التأثير على قرارهم اللاحق بتأسيس أول قاعدة بحرية صينية وراء البحار في جيبوتي، في منشأة قد تؤوي في نهاية المطاف ما يصل إلى 10.000 جندي بالقرب من معسكر أميركا هناك، "كامب لومونيير".
كانت خلفية هذه التطورات التاريخية هي دور اقتصاد الصين المتمدد بسرعة في الشرق الأوسط. وقد جعل تعطش بكين للطاقة منها أكثر اعتماداً على الإمدادات الشرق أوسطية. وفي الوقت الحالي، تأتي أكثر من نصف واردات الصين النفطية من الخليج. وفي الحقيقة، حلت الصين محل الولايات المتحدة بكونها الزبون الرئيسي للسعوديين. ومع ذلك، لم يتم قبل الآن عقد أي اجتماع بين الرئيس الصيني شي جين بينغ وبين العاهل السعودي الملك سلمان، لتكون له رمزية القمة التي انعقدت بين الرئيس الأميركي السابق فردريك روزفيلت وبين العاهل السعودي ابن سعود على متن السفينة "يو. أس. أس كوينسي" في قناة السويس في شباط (فبراير) من العام 1945، لكن هذا الاجتماع انعقد مؤخراً.
بشكل عام، حلق التبادل التجاري بين الصين والمنطقة في الأعوام الأخيرة، مرتفعاً بنحو 600 في المائة في العقد الماضي. ووصل الاستثمار الصيني في الشرق الأوسط إلى إجمالي بلغ أكثر من 160 مليار دولار بين الأعوام 2005 و2016، كما تعهد شي جين بينغ باستثمار إضافي وقروض بقيمة 55 مليار دولار خلال جولته في المنطقة في كانون الثاني (يناير).
بالإضافة إلى ذلك، تهدف مبادرة بكين المسماة "حزام واحد، طريق واحد" إلى إنشاء بنية تحتية لطرق برية وبحرية تمتد من الصين إلى آسيا الوسطى والشرق الأوسط ثم إلى أوروبا. وقد تكون منشأة جيبوتي هي المرفق الصيني الوحيد وراء البحار في الوقت الحالي، لكن الصين تستثمر في موانئ على طول طريق الحرير البحري الذي يفضي إلى غودار، تماماً فوق حدود إيران مع باكستان، إلى دقم في سلطنة عمان، ومن ثم إلى أشدود في إسرائيل. وفي ليبيا، قد تكون الصين نجحت في إجلاء عشرات الآلاف من مواطنيها، لكنها تخلت عن مئات الملايين من الدولارات أو أكثر على شكل معدات وبنية تحتية. ومن الطبيعي أنها ترغب حالياً في مضاعفة خياراتها اللوجستية.
لعل السؤال الرئيسي المطروح بالنسبة كل من واشنطن وبكين على حد سواء هو، ما الذي تعنيه هذه المصالح الاقتصادية المتمددة للدبلوماسية الصينية ولجيش التحرير الشعبي. وفي عموم الشرق الأوسط، لطالما سعت بكين إلى ترتيب علاقات جيدة مع كل بلد -إسرائيل وإيران والسعودية وآخرين- بشكل متزامن. ولطالما رفعت بكين شعار "عدم التدخل" (حتى لو أنها لم تمارسه دائماً)، وسعت باجتهاد إلى تهدئة كل الأطراف في كل صراع شرق أوسطي: الموازنة بين الحساسيات السعودية والإيرانية؛ والوصول إلى كلا الجانبين في الحرب الأهلية الليبية في العام 2011؛ وحتى الاعتراف بحكومة حماس في غزة، على الرغم من عدم ثقة الصين في الإسلام السياسي وروابطها الاقتصادية المتبرعمة مع إسرائيل.
حتى مع أن الصين سعت إلى الحفاظ على ظهور منخفض الوتيرة في الأعوام الأخيرة، فإنها أصبحت أكثر نشاطاً بعد عمليات الإخلاء البحري التي نفذتها. وقد أطلقت بكين خطوات نحو التوسط في نزاعات الشرق الأوسط، فعينت مبعوثين لسورية وللموضوع الإسرائيلي الفلسطيني، وأطلقت اقتراحاً لسلام إسرائيلي-فلسطيني، واستضافت ممثلين عن الفصائل المتحاربة في سورية، بل إنها قامت بدبلوماسية مكوكية خلال أزمة نشبت بين إيران والسعودية.
مع كل رغبتها المعلنة في اتخاذ موقف النزاهة والحياد، تجد بكين نفسها على نحو متزايد -وربما حتمي- وهي تنحاز إلى أطراف. فقد انضمت الصين إلى روسيا في استخدام حق النقض "الفيتو" ضد قرارات لمجلس الأمن الدولي التابع للأمم المتحدة حول سورية؛ وأرسلت مسؤولين دفاعيين إلى دمشق، كما أرسلت سفناً حربية إلى البحر الأبيض المتوسط لإجراء تمارين مشتركة مع روسيا -وفقاً لمقابلة أذيعت مؤخراً للرئيس السوري بشار الأسد مع محطة تلفزيونية صينية- كما انخرطت في تعاون استخباراتي مع السلطات السورية.
يبدو أن الصين ليست مدفوعة فقط برغبة للحفاظ على علاقات وثيقة مع روسيا ولإحباط ما تعتبره كل من بكين وموسكو جهداً يقوده الغرب لتغيير النظام في سورية. فالمجموعات الإرهابية المتمركزة في الشرق الأوسط تقدم حافزها الخاص للعمل. وليس تهديد "داعش" للصين تهديداً أجوف على ضوء ما ذكر من سفر مواطنين صينيين عبر تركيا للقتال إلى جانب "داعش" في سورية. وقد عكر مرور هؤلاء المقاتلين عبر تركيا صفو علاقات بكين مع أنقرة، ومن المؤكد أنه كان في جزء منه على الأقل وراء ما ذكر عن إرسال الصين قوات برية إلى أفغانستان.
كما أقامت بكين روابط وثيقة مع إيران التي تعد أقوى دولة في المنطقة ليست مصطفة إلى جانب الولايات المتحدة، والتي تقدم طرقاً تجارية برية للصين -وهي هبة محتملة لأمن الطاقة الصيني. ويشار في هذا الصدد إلى أن العلاقات بين إيران والصين هي علاقات طويلة الأمد. فقد ساعدت بكين في المراحل الأولى من البرنامج النووي الإيراني، وأبطأت وميعت العقوبات الدولية التي كانت قد فرضت على إيران في بدايات القرن الحادي والعشرين، على الرغم من تصويتها في النهاية لصالح فرض العقوبات. وتتوقف الطائرات الحربية الصينية في إيران لإعادة تزويدها بالوقود، كما أجرت سفن حربية صينية تمرينات بحرية مع نظيراتها من السفن الإيرانية في الأعوام الأخيرة.
مع ذلك، وفي أعقاب الصفقة النووية مع إيران التي أبرمت في العام 2015، أصبحت تلك العلاقات بين بكين وطهران مرشحة للازدهار الحقيقي فعلاً. وقد أصبح الرئيس شي جين بينغ أول زعيم عالمي يزور إيران بعد الصفقة النووية، مستغلاً المناسبة للإعلان عن "شراكة استراتيجية شاملة" مع طهران. والصين وجهة مستعدة لاستقبال النفط الإيراني ومصدر للأسلحة والصواريخ عندما يرفع الحظر الدولي على امتلاك إيران لها في العامين 2020 و2023 على التوالي. وإذا نجحت الولايات المتحدة في دق أسفين بين روسيا وإيران -أو إذا تدهورت تلك العلاقات التي كانت غير مستقرة ومتقلبة تاريخياً من تلقاء نفسها- فإن العلاقات الصينية-الإيرانية سوف تأخذ منحى أكثر أهمية. وسوف يتطلب التعويل عليها عمل توازن: أما إذا كان باستطاعة الصين الاحتفاظ بهذه العلاقة بينما تحافظ على علاقات جيدة مع خصوم إيران في الخليج، فهو سؤال يظل مفتوحاً.. وكان شي جين بينغ قد ألغى زيارة في العام 2015 للمنطقة لتجنب الوقوع في شرك التوترات السعودية-الإيرانية، وكاد يفعل نفس الشيء في العام 2016 بعد إعدام السعودية رجل دين شيعي.
أما علاقة الصين الرئيسية الأخرى في المنطقة، فليست مع خصم لأميركا، وإنما مع أوثق حليف لها في الشرق الأوسط، إسرائيل. فقد سجل حجم الاستثمار الصيني في إسرائيل 10 مليارات دولار في الأعوام الثلاثة الماضية فقط، بما في ذلك البنية التحتية التقليدية مثل ميناء أسدود، ومشروع القطار الخفيف في تل أبيب، بالإضافة إلى مشروع رأسمالي مشترك موجه نحو قطاع التكنولوجيا الفائقة. وتعمل الصين وإسرائيل من أجل التوصل إلى اتفاقية تجارة حرة، وقد عقدتا مؤخراً صفقة لإرسال عمال صينيين للتخفيف من النقص الذي يعانيه قطاع الإنشاءات السكنية في إسرائيل. وحتى على الرغم من أن بكين تستمر في التصويت ضد إسرائيل في مجلس الأمن الدولي التابع للأمم المتحدة، فإن مواقفها حول الصراع الإسرائيلي الفلسطيني تختلف كثيراً عما كانت عليه في الأيام التي أصبحت فيها أول دولة غير عربية تعترف بمنظمة التحرير الفلسطينية في سبعينيات القرن الماضي.
يشكل نشاط الصين المتزايد في الشرق الأوسط رداً على واشنطن وتحدياً لها. وليس من قبيل الصدفة أن يأتي صعود الصين في أعقاب الخطوات الأميركية المتعثرة في العراق وسورية وغيرهما، حيث ترى بكين أنها خطوات تتهدد مصالحها الخاصة. كما أنها تتم في الوقت الذي أعلنت فيه أولاً إدارة الرئيس السابق أوباما ثم إدارة الرئيس الحالي ترامب عن الرغبة في تركيز اهتمام السياسة الخارجية الأميركية على آسيا وليس على النزاعات العصية على الحل في الشرق الأوسط. كما أن المسؤولين الأميركيين لم يفشلوا في ملاحظة أن الصين تروج لأنموذجها البديل عن الأسواق الحرة والحريات المدنية واشتراطات المساعدة.
مع ذلك، تبقى للولايات المتحدة والصين مصالح متداخلة على نحو لا يقبل الإنكار في المنطقة، مما يقدم أساساً محتملاً للتنافس أو التعاون بينهما -أو كليهما. وهما تشتركان في سجل متواضع من التعاون، بما في ذلك حول المفاوضات النووية الإيرانية وعمليات محاربة القرصنة. ويجب على واشنطن اسكتشاف احتمالات التنسيق في قضايا أخرى، بما في ذلك التنمية الاقتصادية في مصر وغيرها، والحماية الحساسة للبنية التحتية وحل النزاعات الإقليمية. وعلى ضوء أرجحية أن تظل الولايات المتحدة والصين مختلفتين في شرق آسيا في المستقبل المنظور، فإن الشرق الأوسط يمكن أن يمثل ساحة مهمة يتم من خلالها خفض منسوب التوترات الثنائية، وإظهار أن العلاقات التي تكون بخلاف ذلك تنافسية بدرجة لا تحتاج إلى أن تكون محصلتها صفراً.
يرسل موقف الصين المتحسن في الشرق الأوسط، سوية مع موقف روسيا، رسالة مهمة إلى إدارة ترامب. فقد أفضت الفراغات التي خلفتها حقبة أوباما في القيادة الأميركية في المنطقة إلى زعزعة الاستقرار، وشجعت على التدخل الخارجي. وتكمن أفضل طريقة لواشنطن من أجل التقليل إلى الحد الأدنى من الفرص لمزيد من انتهاكات بكين أو موسكو -أو على الأقل لتحديد إطار العمل الذي تنخرط من خلاله قوى خارجية أخرى في المنطقة- في الوصول بالعلاقات الرئيسية مع حلفاء مثل مصر وتركيا وإسرائيل ودول الخليج إلى بر الأمان.
ينظر العديدون في واشنطن إلى الشرق الأوسط اليوم، فيرون الاضطراب والفوضى. ويبدو الشرق الأوسط منطقة لا تنعدم شهيتها للدولارات الأميركية، فيما تبدو العودة إلى الاستثمار الدبلوماسي والعسكري صغيرة باطراد. وينظر القادة الصينيون إلى نفس المنطقة، فيرون فيها فرصة واعدة -فرصة اقتصادية بالتأكيد، وإنما فرصة بالمعاني الأمنية والجيوسياسية أيضاً. ولكل ذلك، ما تزال الشهية للانخراط الأميركي عالية بين بلدان الشرق الأوسط، وحيث يرى المعظم أن واشنطن هي شريك الاختيار، المتقدم مسافة بعيدة على الصين في هذا الحقل. ويجب أن لا تتردد أصداء الحاجة إلى انخراط أكبر في المنطقة في بكين فقط، وإنما أيضاً في واشنطن.

*ريتشارد فونتين: رئيس مركز "نيو أميركان". ومايكل سينغ: زميل رفيع في "لين سوينغ" وعضو منتدب في معهد واشنطن.
*نشرت هذه القراءة تحت عنوان: Middle Kingdom Meets Middle East

التعليق