انطلاق فعاليات المؤتمر الفلسفي "التنوير في الفكر العربي"

تم نشره في الخميس 18 أيار / مايو 2017. 11:00 مـساءً
  • د. علي حمية ود. هشام غصيب في الجلسة الأولى للمؤتمر -(الغد)

عزيزة علي

عمان- بمشاركة محلية وعربية، انطلقت أمس فعاليات المؤتمر الفلسفي في دورته التاسعة بعنوان "التنوير في الفكر العربي" في مقر الجمعية الفلسفية الأردنية بعمان.
أكد المتحدثون على إعادة الاعتبار للعقل الفلسفي ولدوره في نشر ثقافة التنوير وقيمها، يتلازم معه توفر مناخ من الحرية، يصون الجرأة في التفكير والإبداع في التعبير.
ودعا المشاركون في المؤتمر إلى إعادة الهيبة إلى الفكر العلمي الذي يهدف لتنوير الإنسان بواقعه وبيئته ومحيطه والكون الذي يعيش فيه بعيدا عن الأساطير والخرافات، وبناء نظرة أكثر شمولية تحقق فهما أعمق في النظر إلى العالم.
وفي افتتاح المؤتمر تحدث رئيس الجمعية الفلسفية الأردنية د. موفق محادين عن تاريخ التنوير في العصور الغربية والعربية، والعرب وعصور التنوير البرجوازية، لافتا إلى أن خطاب التنوير الحديث لم يكن في أوروبا خطابا مجردا يمكن استعارته، ودون ملاحظة الشرط التاريخي له، وهو الثورة الصناعية البرجوازية وما ولدته من دول قومية في تشكيلاتها وخطابها الذي يدعو للحرية والعقل والعلم والعلمانية.
وأشار محادين إلى أن الانتكاسات التي تكالبت على كل من "مصر، الشام، العراق"، كانت بفعل اتفاقية "سايكس وبيكو"، إلا أن إرهاصات التنوير لم تتوقف، بل أخذت بعدا ايديولوجيا مجردا دون السياق الموضوعي الذي عرفته أوروبا وهو سياق الثورة الصناعية وعقل الدولة القومية، وهذا هو احد الأسباب التي جعلت هذه الإرهاصات اقرب إلى استقراض أو استعارة ايديولوجية لعناوين التنوير الألماني على نحو خاص، حيث اختلطت دعوات الحرية والنهضة والعقلانية، بالمثالية والرومانسية، كما هو عند الرواد القوميين الأوائل مثل "قسطنطين زريق، وزكي الارسوزي وعفلق.
رئيس الاتحاد الفلسفي العربي د. وليد الخوري، رأى أن إعادة الاعتبار للعقل الفلسفي ولدوره في نشر ثقافة التنوير وقيمها، يتلازم معه توفر مناخ من الحرية، يصون الجرأة في التفكير والإبداع في التعبير، ويعزز الحوار باعتباره المنهج المصاحب للعقد الفلسفي منذ بزوع فجر الفلسفة إلى يومنا، فالحوار هو وليد ثقافة يعترف فيها كل طرف من الأطراف المتحاورة، أنه لا يمتلك الحقيقة كلها، بل هي خلاصة يشترك الجميع في استقراء حظ كل طرف منها، تمهيدا لصوغها تعبيرا عن أرادات متفاعلة متكاملة، عبر الحوار تنكشف علامات التواصل والتآنس بين معقوليات العقل المختلفة، وبين الثقافات المتنوعة والآراء المتباينة، ويمتنع انزلاق الاختلاف إلى خلاف يذهب اطرافه إلى حد القطيعة المسكونة، إن لم يكن بالعنف فيما يوازيه ظلما وظلامية.
الفكر التنويري، بحسب الخوري، هو فكر حواري لا يلغي الأخر بل يسعى إلى استكشاف دواخله وسبر أغواره تنقيبا عن فسحة محايدة يتلاقى عندها المختلفان، لافتا إلى أن الفكر القادر بمضامينه المعرفية والثقافة والإنسانية، أن يأخذ بيد هذه الأمة، يحثها على مواجهة مواطن القصور والعجز فيها، ويقوى إرادة الانتفاض عند أهلها، على الظلم الذي يغتال حياتهم وعلى الظلامية التي تستبد بعقولهم، فتستعيد مكانتها بين الأمم.
وتحت عنوان "مفهوم التنوير" كانت الجلسة الأولى التي أدارها د. علي حمية، وشارك فيها كل من: د. محمود حماش، د. عفيف عثمان، د. هشام غصيب، الذي قال إن لكل حقبة تاريخيه عقائدها، فالعقيدة الرئيسة للحقبة الحديثة هي "عقيدة التنوير وتشكل العقيدة محور الحداثة التي انبثقت في سياق انتقال أوروبا الغربية من نمط الإنتاج الإقطاعي إلى نمط الإنتاج الرأسمالي، وقد أثارت هذه العقيدة نقائض حداثوية ما لبثت ان حاصرتها وضيقت عليها الخناق، فمبدأ هذه العقيدة هو ضرورة أن تستوعبها الثقافة العربية المعاصرة استيعابا استغرابيا.
فيما تحدث د. محمود حماش عن "العلم... وعقلنة الثقافة"، مبينا أن العلم ليس مجرد تكنولوجيا وتجميع للمعطيات التي يتم رصدها أو تجميعها من نتاجات البحث العلمي فقط، بل العلم هو "تنوير الإنسان عن واقعه وبيئته ومحيطه والكون الذي يعيش فيه بعيدا عن الأساطير والخرافات، وبناء نظرة أكثر شمولية تحقق فهما أعمق في النظر إلى العالم. نحو تفهم أعمق لأسس التفكير والحوار سواء على مستوى الأفراد أو الجماعات".
وأشار حماش إلى أنه رغم تواتر نشاط نقل المعرفة العلمية للمجتمع العربي واتساع نطاق تعليم العلم وانتشار المدارس والجامعات والزياد المضطردة في إعداد المتخصصين في مختلف العلوم... إلا أننا "لا نلمس النهضة التنويرية الشاملة والعميقة"، بل ان خللا يظهر في قواعد الحوار والتفهم وهناك انغلاق وعدم تقبل النقد والتعصب والتمسك بما يتعارض مع التطور العلمي.
من جانبه قدم د. عفيف عثمان مقاربات في النهضة العلمية العربية"، مشيرا إلى أن الإنتاج والعلم والنهضة العلمية دخلت عند العرب في مجال التداول منذ أن جرى وعي الفجوة المعرفية مع بقية العالم، وكان لا بد من أن تكون المعوقات الذاتية وثيقة الصلة بالذات الحضارية الفاعلة، والأسباب الموضوعية المتعلقة بالبني والأنشطة والبحوث فتعددت الرؤى والمقاربات.
وناقشت الجلسة الثانية التي ترأسها د. هشام غصيب لتنوير في مجالات عديد، وشارك فيها كل من: د. نايلة ابو نادر، د. جورج الفار، الباحث مجدي ممدوح، الذي تحدث عن الالتوسيرية في الفكر العربي، نموذج د. هشام غصيب، مبينا أن  التوسير وضع شبكة من المفاهيم عالية الكفاءة في مقاربة الإشكاليات الفلسفية والعلمية، والتي تتصل خصوصا بفلسفة العلم، مبينا أن مفهوم الإشكالية، الذي وظفه غصيب في مقاربة علم الفلك العربي، ومفهوم الإشكالية هو "شكل أو صيغة ألتوسيرية من "مفهوم البراديغم" أو "الثورة العلمية"، ووظف غصيب ايضا مفهوم الإشكالية في مقاربة مسألة التفريق بين الجدل المادي والمثالي، عند هيجل وماركس على وجه الخصوص.
فيما تحدث د. جورج الفار عن "التنوير المستقبلي"، لافتا  إلى الفرق بين التحديث والحداثة، بين التنوير والفكر السلفي الظلامي، الذي يسود في المنطقة العربية، فالتحديث يطال القشرة الخارجية، بينما الحداثة أمر يصيب العقل والمنهج وطرق الحياة، فالتنوير هو أصل العقل والحرية وفصل ما بين الدين والدولة ووضع العقل والعقلانية بدل المقولات الميتافزيقية.
بينما تحدثت د. نايلة ابو نادر عن "التنوير الإسلامي من وجهة نظر محمد أركون: قراءة في المسألة الاخلاقية"، مبينة أن التنوير من داخل العالم الإسلامي او من خارجه يشكل في المرحلة الراهنة "تحديا كبيرا في وجه كل القوى التي تعمل بشكل واع او غير واع على تجميد الحالة الإسلامية، وعلى وضعها خارج السياق التاريخي وحجزها داخل الخطابات الملتهبة والقوالب المتحجرة"، لافتا إلى أن البحث في التجديد الإسلامي يعني أننا ملزمون بمقاومة شرسة لها نهج آخر، وغايات أخرى، وأبطال من نوع أخر يتسلحون بالفكر ومنهجيات علوم الإنسان والمجتمع واللغة.

التعليق