الحرب العدوانية الثقافية الجديدة التي تشنها إسرائيل

تم نشره في الجمعة 19 أيار / مايو 2017. 11:00 مـساءً
  • فلسطينيون في نقطة تفتيش للاحتلال الإسرائيلي قرب بيت لحم- (أرشيفية)

ريتشارد فولك – (كاونتربنتش) 8/5/2017

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

قبل بضعة أسابيع، نشرت دار "بلوتو" كتابي الجديد "آفاق فلسطين: نحو سلام عادل". وفي ذلك الوقت، كنتُ في لندن واسكتلندا لتقديم سلسلة من المحاضرات والحوارات للمساعدة في إطلاق الكتاب. وحدث أن تصادف ظهور الكتاب مع إطلاق تقرير مشترك أعدته لجنة الأمم المتحدة الاجتماعية والاقتصادية لغرب آسيا، وهو ما منح لظهوري في تلك الأحاديث زخماً إضافياً لم يكن ليتحقق بغير ذلك. وقد خلص التقرير إلى وجود أدلة على أن الممارسات الإسرائيلية تجاه الشعب الفلسطيني ارتقت إلى مستوى الفصل العنصري "الأبارتيد"، كما هو معرف في القانون الدولي.
كان هناك رد فعل معاكس قوي من جهة المتشددين الصهاينة الذين هددوا بتخريب اللقاءات والمحاضرات. وكانت تلك التهديدات مخيفة بما يكفي للمسؤولين الأكاديميين، بحيث تم إلغاء أحاديثي المقررة في جامعة شرق لندن وجامعة ميدلسكس، على أساس ذريعة "الصحة والأمن". ربما! وقد عكست قرارات هؤلاء المسؤولين جزئياً إدراك حقيقة أن محاضرة سابقة لي في كلية لندن للاقتصاد والعلوم السياسية عانت بما يكفي من التخريب خلال فترة النقاش، حتى أن أفراد الأمن الجامعي اضطروا إلى إخراج شخصين من الجمهور، صرخا بالشتائم، ورفعا علماً إسرائيلياً، ووقفا ورفضا الجلوس عندما طلب إليهما مدير الجلسة ذلك بأدب.
في كل السنوات التي قضيتها في الحديث حول مختلف العناوين والموضوعات في جميع أنحاء العالم، لم يتم إلغاء أي حدث سابقاً على الإطلاق، ولو أن ضغطاً مماثلاً مورس في كثير من الأحيان على مسؤولي الجامعات، لكن المتشددين هددوا بانتقام مالي من تلك المؤسسات إذا ما سُمح لي بالحديث. وكان ما حدث في بريطانيا جزءاً من جهد يزداد شراسة يبذله الناشطون المناصرون لإسرائيل من أجل إغلاق النقاش باستخدام سلوكيات تخريبية، وتهديدات للأمن، وعن طريق تشويه سمعة المتحدثين الذين يُعتبرون منتقدين لإسرائيل، ووصفهم بأنهم "معادون للسامية"، وفي حالتي يهودي "كاره للذات"، بل وحتى يهودي "مشمئز من الذات".
عند عودتي إلى الولايات المتحدة واجهت تكتيكاً جديداً. فقد عمد نفس الأشخاص الذين عطلوا الندوات في لندن، مع بعض رفاقهم من ذوي العقلية المماثلة، إلى كتابة مراجعات خبيثة جداً لكتابي على موقع أمازون الألكتروني في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، وأعطوا الكتاب أدنى معدل ممكن للتقييم. وقد تسبب ذلك بالقلق لناشر كتابي، الذي أشار إلى أن كيفية تقييم كتاب في موقع أمازون تؤثر مباشرة على المبيعات. وقد كتبت رسالة على حائطي في "فيسبوك"، قلت فيها أن كتابي يتعرض للهجوم بهذه الطريقة، وشجعت أصدقائي في "فيسبوك" على كتابة مراجعات، وهو ما عمل مؤقتاً على رفع معدلات تقييمي. وفي المقابل، عاد الصهاينة المتعصبون إلى العمل بنشر خطبة طويلة أو اثنتين على الموقع، واللتين لم تبذلا أي جهد لتناول أطروحة الكتاب نفسها. وبهذا المعنى، نتج اختلاف نوعي حيث كانت المراجعات الإيجابية أكثر عمقاً وجوهرية. وكان هذا كله نوعاً من التجربة السلبية لي. فعلى الرغم من نشري العديد من الكتب خلال دورة هذا العصر الرقمي، فإنني لم أشهد أبداً أي كتاب يتعرض للهجوم بهذه الطريقة على الإنترنت، في سعي واضح لتثبيط المشترين المحتملين، وإهانتي والتقليل من شأني كمؤلف. وفي واقع الأمر، تشكل هذه الحملة نسخة مبتكرة من حرق الكتاب ألكترونياً. وفي حين أن هذه النار ليست نابضة بصرياً مثل النار الحقيقية، فإن نواياها الانتقامية تظل هي نفسها.
هاتان التجربتان -إلغاءات لندن ومضايقات أمازون- قادتاني إلى تأمل أوسع نطاقاً في ما يجري. وكان الأهم من تجربتي الشخصية، وبما لا يقاس، هو الجهود المثابرة والممولة جيداً لمعاقبة الأمم المتحدة على جهودها للفت الانتباه إلى الانتهاكات الإسرائيلية لحقوق الإنسان والقانون الدولي، ولتجريم المشاركة في حملة المقاطعة وسحب الاستثمارات ضد إسرائيل، ولإعادة تعريف معاداة السامية بحيث يتم توسيع مفهومها ليشمل معاداة الصهيونية، بل وحتى النقد الأكاديمي والتحليلي لسياسات إسرائيل وممارساتها، وهي الكيفية التي وضعتني في هذه المنطقة دائمة الاتساع للعار. وكانت إسرائيل تعمل ضد منظمات حقوق الإنسان التي تعبرها غير القانونية في داخل حدودها نفسها، حيث تحظر دخول مؤيدي حملة المقاطعة وسحب الاستثمارات، بل وتمنع السياح الأجانب من زيارة الضفة الغربية أو غزة. وفي عرض غريب للوحدة، تغلب 100 عضو في مجلس الشيوخ الأميركي في الآونة الأخيرة على المناخ الاستقطابي السائد في واشنطن، وانضموا معاً في إرسال رسالة متغطرسة إلى الأمين العام الجديد للأمم المتحدة، أنطونيو غويتيرس، والتي طالبوا فيها باتخاذ نهج أكثر ودية وتغاضياً تجاه إسرائيل في الأمم المتحدة، وهددوا بعواقب مالية إذا لم تخضع المنظمة لوجهات نظرهم الشائنة.
يقوم أكثر داعمي إسرائيل تعصباً وقوة بتحويل النقاش حول السياسة الإسرائيلية الفلسطينية إلى حرب عدوانية ثقافية. وقد تم إطلاق هذا النوع من الجديد من الحرب بتشجيع ودعم من الحكومة الإسرائيلية، وأعطيت الدعم الأيديولوجي من جماعات الضغط المتطرفة مثل "يو. أن. ووتش"، و"غو مونيتور"، و"آيباك" والمجموعات الشبيهة الأخرى. ويتم شن هذه الحرب الثقافية على مستوى الشارع بواسطة ناشطين متشددين يلجأون إلى توظيف أشكال رمزية من العنف. ويجب عدم التقليل من شأن التداعيات المعاكسة للحرية الأكاديمية وحرية الفكر في مجتمع ديمقراطي. ويتم وضع سابقة سلبية جداً في عدة بلدان غربية، حيث تتعاون حكومات بارزة مع المتطرفين على إخماد النقاش البناء حول قضية سياسية حساسة تؤثر على حياة وعيش شعب مضطهد كامل منذ وقت طويل.
هناك بعدان آخران يستحقان التأمل لهذه التطورات: (1) في السنوات الأخيرة، كانت إسرائيل تخسر حرب الشرعية التي يشنها الفلسطينيون، فيما تسميه المؤسسات الفكرية الإسرائيلية "مشروع نزع الشرعية"، وليس هذا التخويف للأمم المتحدة والتشويه الموجه للأفراد سوى تحركات يائسة يحاولها خصم مهزوم عندما يتعلق الأمر بالأبعاد الأخلاقية والقانونية للنضال الفلسطيني من أجل الحقوق. وفي واقع الأمر، تخلت الحكومة الإسرائيلية والمجموعات الداعمة عن معظم الجهود للرد بشكل جوهري، وهم يركزون ذخيرتهم المتبقية على إصابة الرسل الذين يقفون شهوداً، ويبذلون أقصى ما لديهم من طاقة لإضعاف سلطة وقدرات الأمم المتحدة، من أجل تقويض المبادرات الموضوعية؛ (2) بينما تقوم هذه المشاهد المثيرة للشفقة بامتصاص الأوكسجين من ردود فعل أصحاب الحق، يتم تحويل الانتباه عن المعاناة التي طال أمدها والتي فرضت منذ وقت طويل على الشعب الفلسطيني نتيجة لممارسات وسياسات إسرائيل غير القانونية، وكذلك جرائمها ضد الإنسانية، في شكل الفصل العنصري، والعقاب الجماعي، والتطهير العرقي، والكثير من الانتهاكات الأخرى.
لا تكمن الفضيحة المؤسسية الحقيقية في أن الأمم المتحدة مهووسة بإسرائيل، وإنما في كونها ممنوعة من اتخاذ إجراءات ربما تمارس ضغطاً كافياً على إسرائيل لحثها على تفكيك هياكل الفصل العنصري التي تعتمد عليها لإخضاع الشعب الفلسطيني وتهجيره وطرده على مدار أكثر من 70 عاماً الآن، بلا أي نهاية منظورة في الأفق.

*أستاذ أميركي فخري في القانون الدولي في جامعة برينستون. وهو مؤلف أو مؤلف مشارك لنحو 20 كتاباً، ومحرر أو مشارك في تحرير 20 مجلداً آخر. في العام 2008، عين مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة فولك لمدة ست سنوات في منصب مقرر الأمم المتحدة الخاص المعني بحالة حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ العام 1967.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: Israel’s New Cultural War of Aggression

ala.zeineh@alghad.jo

التعليق