إبراهيم غرايبة

صعود الفرد في مواجهة الدولة والمجتمع

تم نشره في الجمعة 19 أيار / مايو 2017. 11:08 مـساءً

أتاحت المطبعة للسلطات السياسية والنخب أن تضع للمجتمعات والأفراد الصورة التي تتبعها، كان في مقدورها باحتكارها للمطابع والصحف ومحطات الإذاعة والتلفزة والمدارس والجامعات والمعابد ان تنشئ أو تتخيل الهوية والأفكار والثقافة والدين والخطاب والمعنى ثم تلحق بها المدن والأسواق والتلاميذ في المدارس وقراء الصحف ومشاهدي التلفاز ومستهلكي السلع، والمؤمنين المتدينين والجيوش والموظفين والعمال والفلاحين.
لكن النخب اليوم تتداعى بفعل توهمها أن بمقدورها الاستمرار في اللعبة، لا تريد أن تلاحظ أنها نجحت بذلك بفضل المطبعة وأن الانترنت تحولُ قلاعها وهياكلها إلى تلال من الرماد، بل إنها تثير الضحك والسخرية وهي تواصل إدارتها للمناهج التعليمية والمؤسسات الإعلامية والشؤون الدينية، وتهدر الموارد والضرائب التي تجمعها من أقوات المواطنين في الفشل والخواء. هل تعتقد إدارات المحطات الإذاعية والتلفزيونية والصحف وهي تقصف عقول الناس وتنفق الأموال وتوظف الصحفيين أنها ما تزال قادرة على احتكار الوعي والمعرفة؟ وهل يعتقد وزراء الأوقاف الذين يوزعون خطبة الجمعة على المساجد ويلزمون الوعاظ بقراءتها أنهم بذلك قادرون على التأثير في المصلين وتوجيههم نحو أهداف السلطة وأحلامها أو ما يقولون إنه الحق والصواب؟
لم يعد وعي الذات يتشكل اليوم في عمليات تنميطية وتنظيمية مؤسسية كما كان يحدث في المدارس والجامعات والمعابد والمؤسسات الإعلامية والثقافية والإرشادية، تتحول هذه العمليات اليوم إلى صناعة ذاتية، فلكل فرد في عصر الشبكية صورته التي ينشئها ثم يتبعها ولم يعد لسلطة او جهة القدرة على احتكار هذه الصورة أو فرضها، فهذا الطفل الذي يشاركه أصدقاء آخرون في جميع أنحاء العالم في الألعاب والصداقة، ويتبادل معهم الحوار والأفكار يحدد هويته التي يتبعها بعيدا عن الأسرة والمجتمع والمؤسسات الحكومية، فهو بلوحه الالكتروني الذي يحمله يشارك مستقلا في العالم ويتلقى منه بلا وساطة أو وصاية أو قدرة على التدخل في شأنه.
عندما ترفض النخب السياسية والاقتصادية استيعاب التحولات الكبرى التي تغير الاتجاهات والافكار السياسية والاقتصادية والاجتماعية، أو تحاول تحديها أو تجاهلها، وكأنها ليست موجودة، أو تظن أن في مقدروها احتكار التأثير فيها، فإنها تضيف إلى الفشل أزمات سياسية واجتماعية، وتهدر الوقت والموارد، فكل فرد اليوم يرى نفسه على نحو مستقل عما تراه النخب ويسلك أيضا باتجاه وعيه هذا بعيدا عما تريده السلطات والنخب، وفي عدم اكتشاف ذلك فإن النخبة تنشئ بوعي أو بدون وعي حالة من الانقسام الاجتماعي والكراهية.
يبدأ الاستيعاب بالاعتراف والإدراك الكافي والملائم للتحولات وأبعادها الاقتصادية والاجتماعية وتأثيرها في المؤسسات والمجتمعات والعلاقات الناشئة أو المتوقعة بين السلطة والأسواق والمجتمعات، ثم الدخول وفي سرعة ونية حسنة في عمليات استماع وملاحظات حرة ومبدعة واسعة للمسار المتوقع للمؤسسات والأفكار والموارد والقيم المنظمة للسياسة والاقتصاد والثقافة.
لا أحد يملك في هذه التحولات التي تقترب من كونها فوضى شاملة أن يعتقد أنه يقدم تصورا وفهما صحيحين، ففي انقطاعها عن الماضي ليس ثمة معطيات كافية للتقدير والاستشراف، لكننا نملك أن نفكر ونتخيل ونقترح، ونقتبس منتجات الانشغالات الواسعة في العالم في فهم واستيعاب العصر الجديد (عصر الشبكة أو المعرفة) فما يجري من فوضى وارتباك في بلادنا ليس مختلفا عما يجري في العالم حولنا. لكن الفرق يكمن في أن العالم مشغول بجدية وعمق.
لقد خسرت النخبة الموارد الناشئة عن احتكار المعرفة، صارت مشاعاً، وبذلك فإنها تفقد قدرتها على احتكار تنظيم التعليم والإعلام والثقافة والدين، وتتجه الطاقة أيضا إلى ان تكون موردا فرديا ينتجها كل فرد بنفسه ولنفسه، وتتجه الاتصالات التي تتحول إلى احتواء الأعمال والمعرفة والعلاقات وادارة الاموال والمؤسسات والخدمات الحكومية والخاصة لتكون مرفقا مشاعيا مثل الطرق والجسور، ويجب أن تعيد الدول والمجتمعات والأسواق إدارة علاقاتها وشؤونها على أساس هذه الحقيقة الجديدة، وكلما تأخرنا في ذلك نطيل عمر الفشل والأزمات والصراعات.

التعليق