عنصر النجاح والتميّز ورأس المال المعرفي

تم نشره في الأحد 21 أيار / مايو 2017. 12:00 صباحاً

د.غسان الطالب*

من البديهي القول إن التطور التكنولوجي والعلمي وثورة الاتصالات قد أسهم في تحقيق تطور اقتصادي ومعرفي هائل أدخل مفهوما جديدا للأصول المساهمة في العملية الإنتاجية بما يعرف بالأصول المعرفية، والتي يمكننا القول إنها تمثل رأس المال الفكري المرتبط بإنتاج أفكار جديدة أو تطوير الموجود منها والمعتمد أصلا على رأس المال البشري بما يمثله من خبرات ومعرفة يمتلكها العاملون أو القائمون على العملية الإنتاجية.
ما يعنينا الحديث عنه هو ما يتعلق بالصناعة المصرفية الإسلامية وأهمية مجاراتها لثورة المعرفة لما شهدته في السنوات الأخيرة من نشاط متميز في قطاعي التمويل والاستثمار الملتزمين بمبادئ وأحكام الشريعة الإسلامية، إضافة إلى الاهتمام بجانب الخدمات المصرفية ومواكبة التطور العلمي والتكنولوجي لتطوير أدائها، فهي نشأت في مجتمعات تطبق وتتعامل مع نظم مصرفية تقليدية، مما فرض عليها نوعا من التحدي، الأمر الذي تطلب وجود رأسمال بشري، يمتلك المعرفة التي تنسجم مع خصوصيتها في جانب العمل المصرفي وكذلك معرفة في الضوابط الشرعية للمعاملات المالية وما يرافقها من تطور في المعايير الفقهية أو المحاسبية التي تنسجم مع فلسفتها، ويتصف كذلك بامتلاك المهارات والقدرات التي تناسب طبيعة هذه المصارف؛ نظرا لحجم التحدي الذي تواجهه من جانب، ومن جانب آخر حتى تكون قادرة على جذب المودعين وتقديم الخدمات المصرفية اللازمة لمعاملاتهم المالية المنسجمة مع أحكام الشريعة الإسلامية والمنافسة لمثيلاتها في البنوك التقليدية، إضافة إلى قدرتها على البحث عن فرص الاستثمار المناسبة والتي تلبي رغبة المودعين، ثم إدارة العمليات الاستثمارية بالشكل الذي يقلل من ارتفاع درجة المخاطرة والسعي لكسب حصة أكبر من السوق المصرفي.
كل هذا لا يمكن تحقيقه إلا إذا توفّر رأس المال البشري القادر، كما أسلفنا، على التعامل مع المفردات السابقة المتعلقة بالأصول غير المادية متمثلة بالعنصر البشري وما يمتلكه من خبرات ومعرفة كعوامل تقود المصرفية الإسلامية بكل تأكيد إلى النجاح وتطوير أدائها، وحتى تتمكن من الوصول إلى ذلك ومجاراة ثورة المعرفة، على المصرفية الإسلامية الاهتمام والتركيز على النواحي الآتية:
- التحديث والمتابعة المستمرة للوسائل العلمية والتكنولوجية كافة وكل ما هو جديد ومتعلق بالعمل المصرفي وتطوير أدائه وخدماته.
- التدريب والتطوير المستمر للعاملين كافة في القطاع المصرفي الإسلامي، لما له من أهمية في تنمية مهارات العاملين وتطوير قدراتهم لتقديم الأفضل من الخدمات المصرفية الإسلامية وبالجودة التي تخدم المودعين.
- التوجه إلى الجامعات والمراكز الأكاديمية لإعطاء المزيد من الاهتمام للتخصصات المتعلقة بالمصرفية الإسلامية والمعاملات المالية الملتزمة بالشريعة الإسلامية لتعزيز ورفد هذا القطاع بكوادر تمتلك العلم والمعرفة.
- عقد المزيد من المؤتمرات وورش العمل والندوات التي يكون الهدف منها تعميق ونشر ثقافة المصرفية الإسلامية، على أن يكون الهدف من هذه الندوات والمؤتمرات إيصال رسالة المصارف الإسلامية وليس الغرض منها مظاهرات إعلامية خالية من الهدف، لا بل يجب أن تواكب كل ما هو جديد في القطاع المصرفي ليتمكن من الابتكار وتقديم منتجات مالية جديدة وذات هدف.
إن المصرفية الإسلامية بعد هذا الانتشار والتوسع في أنحاء شتى من العالم واحتلت مكانتها في السوق المصرفية العالمية، وكما صنعت هذا الإنجاز الرائع فإنها مطالبة بالاستمرار في البحث وإشراك رأس المال المعرفي، إلا أنها اليوم هي المسؤولة عن صنع كوادرها وخبرائها وتأهيلهم لتحمل مسؤولياتهم المصرفية الملتزمة بأهداف ورسالة المصارف الإسلامية القائمة على الشريعة الإسلامية، وهي المسؤولة عن سلامة وجودة منتجاتها، فلولا وجود رأس المال البشري لما تكلمنا عن الجودة، ولا الإبداع ولا عن الابتكار والتجديد.. إذن هو عنصر النجاح والتميّز.

*باحث ومتخصص في التمويل الإسلامي

التعليق