امتحان أم تقييم؟

تم نشره في الاثنين 22 أيار / مايو 2017. 12:07 صباحاً

أنصح كل مربٍ، وليس تربوياً (أي يعمل في التربية والتعليم) بإسقاط كلمة الامتحان من قاموسه وخطابه، فالامتحان يحمل في تاريخه وطياته وممارساته معنى الإدانة للطفل/ة أو الطالب/ة الذي يفشل فيه. البديل التربوي للامتحان هو التقييم (Evaluation) الذي يعني معرفة ما تعلمه الطفل أو الذي لم يتعلمه، والقيام بمساعدته على تجاوز ما هو مقصر فيه لا إدانته عليه كما في الامتحان العام.
بالتقييم نحمل الأسرة/ والمعلم/ة والمدرسة المسؤولية عن النتيجة. أمّا بالامتحان فنحمل المسؤولية للطفل /ة أو الطالب/ة . وبالامتحان نتخذ قرارات كثيرة لا تمت للتربية والتعليم بصلة مهملين أحدث ما توصل إليه علم الاجتماع وعلم النفس في التعلّم والتعليم.
المشكلة أنه كلما جلس مسؤول جديد في حضن التربية والتعليم يعتقد فوراً أنه مربٍ، وهو اعتقاد مشوش وأحياناً مدمر للتربية والتعليم لأنه يجعل كل واحد/ة يعتقد أنه خبير في التربية والتعليم دون خبرة (سابقة) ولذلك نرى المسؤول الجديد ينقلب على ما أقره المسؤول السابق ليثبت ذلك، فإذا كان الامتحان قد ألغي في الماضي فلماذا لا يعاد في الحاضر؟ وإذا كان الحفظ والاسترجاع قد سقطا فلماذا لا يستعادان؟
نرحب في كل مرة بالمسؤول الجديد ونقول له: لقد سقط الامتحان من زمان فاسأل الدنمارك.. كما سقط الحفظ والاسترجاع فاسأل فنلندا... صار المطلوب أو اللازم للتعلم هو الفهم وتعلم معارف أو مهارات التفكير والإبداع والابتكار وتقييمه.
والسؤال: كيف يكون هدف الامتحان التركيز على ميول وقدرات الطلبة!!! إن التقييم يمكن أن يركز عليها. أما الامتحان فيبحث عن أجزاء أو أجوبة مبعثرة ويُقرر مصير التلميذ/ة بموجبها.
الامتحان يجري للخريج من أجل استخدامه في عمل أو وظيفة. ومن ثم تقوم بإجرائه هذه الجهة أو تلك مثل الجامعات، أو الشركات.. فعندئذ تدان المدرسة ووزارة التربية والتعليم عن فشل قسم كبير من خريجيها فيه.
وللأسف ما تزال عقلية مدارس الأمس سائدة في مدارس اليوم فهي تعلّم بالتلقين وتركز على الحفظ والاسترجاع أكثر من تعليمها بالتحليل والتركيب... وتركيزها على الحوار والجدل والمناقشة والبحث. ولذلك سبب واضح وهو سهولة وظيفة المعلم والمدرسة في حالة تعليم الحفظ والاسترجاع والامتحان وصعوبتها في حالة تعليم التفكير.. والتقييم.
لقد كافحنا عاماً بعد آخر وعقداً وراء عقد لإسقاط امتحان الإعدادية العامة. وقد توافق المربون والتربويون والمسؤولون في حينه على ذلك وتعايشت المدرسة والمجتمع معه. لكن ما أن يأتي وزير جديد حتى يحاول إعادة عقارب الساعة إلى الوراء، ربما لأنه لا يستطيع تسييرها إلى الأمام. ومن ذلك مثلاً: "بحثت الوزارة جملة من الأفكار منها اعتماد امتحان آخر للصف التاسع هدفه التركيز على ميول وقدرات الطلبة، وثالث للمرحلة الابتدائية لتحديد نقاط الضعف والقوة لدى الطالب/ة سواءً أكانت مرتبطة بنفسه، أو بالمعلم، أو بالمدرسة".
يعجبني هذا الامتحان الابتدائي بشرط إسقاط كلمة الامتحان منه وإحلال كلمة التقييم والتقويم محله، ولا يعجبني امتحان الصف التاسع لأنه ألغي من زمان، وبإعادته مهما "مُكْيج" وجُمّل فإنه سرعان ما يتحول إلى مجرد امتحان سنوي بليد تذكري استرجاعي إرهابي إقصائي لنصف الأطفال من المدرسة إلى الشارع قبل أن ينهوا التعليم الإلزامي والثانوي، أو إجبارهم على الالتحاق بالتعليم المهني المعتل.
التربية السليمة تترك الباب مفتوحاً للطفل حتى النهاية وتقيّم تعلمه أولاً بأول وتصححه أولاً بأول، ولكن ذلك يحتاج إلى تعليم قوي ومدرسة موهوبة تتفتح بهما جميع الأزهار.
(وبعدين) هل يوجد امتحان مدرسي في العالم يركز على ميول وقدرات الطلبة أو يكشف عنها عند كل طفل بمجرد إجرائه والانتهاء منه؟ ما هي تلك الميول والقدرات؟ وكم عددها؟ وهل هي مرتبة تنازلياً أو تصاعدياً حسب أهميتها؟ هل يوجد في الأردن من يعرف هذه الميول والقدرات بالتفصيل؟ وهل يستطيع الكشف عنها بصورة يقينية بامتحان؟ إن الميول والقدرات يا سادة ليست فطرية لنكشف عنها فقد تغيرت كثيراً منذ آدم إلى اليوم. إنها تأخذ شكل المجتمع والمرحلة.
قاتل الله السياسة التي تجعل المرء يساير ويجامل ليمر، وكأن مطالب بعض النواب أو الأعيان أو ذوي النفوذ أو بعض المحتجين صحيحة دائماً، فلا يتم الرد عليهم بالصحيح.

التعليق