عيسى الشعيبي

قمة القمم

تم نشره في الاثنين 22 أيار / مايو 2017. 11:05 مـساءً

بمعيارَي المستوى والمحتوى، ناهيك عن الأهداف المتحققة، تستحق سلسلة القمم التي انعقدت في الرياض، والتي يمكن النظر اليها كقمة واحدة، الترفيع بجدارة الى مرتبة قمة القمم بلا تحفظ، كونها شكلت سابقة لا سابق لها في مجرى العلاقات بين الولايات المتحدة ودول هذه المنطقة، لا سيما مع المملكة العربية السعودية، التي نسقت على نحو جيد لكل ما شهدته هذه الاجتماعات من حضور واسع، وما اسفرت عنه من اتفاقيات وصفقات هي الاكبر في تاريخ العلاقات بين الدول، ناهيك عما بعثت به من رسائل، وما انطوت عليه من استجابة للتحديات التي تخاطب العرب في هذه المرحلة.
وبنظرة تحليلية، تكاد هذه القمة المركّبة ان تحمل صفة القمة التأسيسية الى حد بعيد، كونها كرست زعامة "السعودية" للعالمين؛ العربي والاسلامي دون منازع في المدى النظور، ورشحت هذه الدولة الوازنة، دينياً ومالياُ، أن تجعل منها دولة اقليمية مرهوبة الجانب، مسلحة بأحدث مخرجات التكنولوجيا الحربية، الامر الذي من شأنه ان يصنفها دولة "سوبر بوار" تعيد التوازن المرغوب فيه مع الدول الثلاث الاخرى المتزاحمة على النفوذ في الشرق الاوسط الكبير، وهو ما سيشكل رافعة كانت مفقودة لمختلف القضايا العربية المدرجة على جدول اعمال الدول الكبرى.
وبهذا المعنى، فإن قمة القمم هذه تمثل نقطة تحول في المسار، الذي كان فيه العالم العربي في محل اعراب جملة المفعول به، منذ غزو العراق واختلال التوازن في كامل منطقة المشرق العربي، ناهيك عما لحق بالمنظومة العربية من خراب عميم على مدى السنوات السبع العجاف الماضية، حيث فقد العرب الدولة القاعدية القادرة على اخذ زمام المبادرة، والامساك بناصية الوضع حين تميل كفة الميزان، الامر الذي يؤهل "السعودية" بعد هذه القمة الى لعب هذا الدور، في لحظة اشتدت فيها الحاجة الى دولة قائدة وقادرة على ان تكون صمام الامان.
ولا احسب ان هذا التحول الذي طال انتظاره وقع محض صدفة، او انه جاء خبط عشواء، بل كان نتيجة جهد مبذول وراء ابواب مغلقة، سهر عليه من يسمون بـ"السعوديون الجدد" ونعني بهم الامراء الشباب المحيطين بالملك سلمان، هؤلاء الذين امتلكوا رؤية مغايرة، وروحاً مفعمة بالعنفوان، فغيروا وجهة دفة السفينة السعودية، وابحروا بها – حيث البداية كانت في اليمن - من شاطئ المهادنة والملاينة، الى اعالي بحار المخاطر المحدقة والتحديات الجسام، فكانت هذه القمة التاريخية، وكانت هذه الصفقات المقدرة بمئات مليارات الدولارات.
ليس امراً قليل الاهمية ان تقف الدولة العظمى الوحيدة، بعد طول غياب واستخذاء، وراء عملية توطين التكنولوجيا الحديثة، وبناء القوة العربية الجديدة المكافئة للدول الاقليمية الاخرى في المنطقة. ففي عصر الاقوياء وساحات الموت الزؤام، لا موضع قدم الا لمن لديه القوة والارادة على تفعيل هذه القوة اذا جد الجد، ووقع الخطب، وهو قد وقع بالفعل وفاضت كؤوسه المترعة بالدماء، منذ ان اعلنت ايران هيمنتها على العاصمة العربية الرابعة، ومدت نفوذها، من البصرة الى غزة الى صعدة، وحدث ولا حرج عن بغداد ودمشق وبيروت.
ولا يُطعن بمشروعية هذه الترسانة العسكرية، او يثلم حد سيف هذه القوة المنشودة، انه مرفوع حصراً في وجوه الحرس الثوري وغيره من ميليشيات ايران المذهبية، طالما ان نظام الولي الفقيه هو الذي يشتري العداء بالجملة والمفرق، يستهين بالعرب ويستعديهم بلا حساب، ويسعى دون كلل الى استعادة مجده الامبراطوري البائد في هذه البلاد. وليس معيباً ايضاً ان مثل هذه الصفقة الهائلة، بهذا الوزن وهذا النوع، ما كان لها ان تُعقد مع الولايات المتحدة، لو انها تشي بتهديد الحليف الاستراتيجي المدلل في المنطقة، الا وهي اسرائيل.
تبقى ضرورة القول ان القضية الفلسطينية لم تكن في بؤرة اهتمام القمة الاميركية السعودية الخليجية العربية الاسلامية، التي بدت مشاهدها وكأنها من كتاب الف ليلة وليلة. ومع ذلك فإن علينا الانتظار الى إنتهاء جولة ترامب في المنطقة، كي نتعرف على محصلتها الاولية، وما اذا كانت هناك استجابة اسرائيلية، لا تزال مستبعدة، حيال ما سيطرحه الرئيس الاميركي من افكار تحرك المياه الراكدة، خصوصاً ونحن نرى ردود فعل ليكودية سلبية مسبقة.

التعليق