نادر رنتيسي

"مرحباً.. من عمّان"

تم نشره في الأربعاء 24 أيار / مايو 2017. 12:00 صباحاً

ضغطتُ برفق فتح باب البيت الأول، على زرّ التشغيل. هذا جهازي القديم، كتبتُ على شاشته البيضاء قبل خمسة أعوام كتاب استقالة من صحيفة “الغد”، ثم أقفلته بحسرة وحيرة غلق باب البيت الأول، ولففته بغطاء أبيض، كما يفعل المصريون مع أثاثهم الحميم في هجرة الخليج، وركبتُ الطائرة المستعجلة نحو الجنوب الحارّ، بعدما أُغلقتْ كل منافذ الحدود في مواسم الهجرة إلى الشمال.
أنا في عمّان، فتحتُ برفق باب البيت الأخير. هذه أمّي قبّلتني، وأعدّت غداء قروياً، وهنا غرفتي الصغيرة التي كتبتُ فيها نصوصاً سقطت من بين الأصابع كالأسنان اللبنيّة، وهذه صورة جدرانها خضراء التقطت في هامش الضحك بمكاتب صحيفة “العرب اليوم”. في ملف أصفر، سري للغاية، رسائل ليليّة، ومواعيد بانتظار نزول أوزار حرب الشّام، ونسخة من فيلم “طائر على الطريق”، يصطدم بزجاج السيّارة، ورغم الفأل السيئ، واصلتُ المسير.
دخلتُ أبواب عمّان القديمة، فلم أجد طريقاً نافذاً، مشيتُ بالسيّارة المستأجرة في الشوارع التي أعرفها، فلم يبدُ أنّها عرَفْتني، بل أدركتُ بذوق الزائر أنّي فقدتُ في خمسة أعوام أحقيّة الاصطفاف في كلّ الأماكن المشروعة وغير المشروعة. وعلى الرصيف، لا سيارة صفراء أو بيضاء استجابت لتلويحة يدي المُرهَقة، حتى الحزام الجلديّ في سقف الباص الكبير سقط بيدي، وأسقطني على الدرج، وأعادني إلى الرصيف لـ”تصويب الأوضاع”.
أقفُ على إشارة البوّابة الثالثة للمدينة الرياضية؛ هنا حذفتُ نصف العمر بانتظار أنْ تصبح الإشارة خضراء. وأقفُ على دوّار الحرمين، حيثُّ انتظرتُ مئات الساعات لفهم قواعد فكّ الاشتباك، وتحديد الوجهات التالية للسيارات. وفي “الجاردنز” أمشي، لم أتعلم المشي سوى في شارع التجارة والحبّ والنزوح، وحين صعدتُ تلقائياً إلى مصاف الطبقة الوسطى، واقتنيتُ سيارة كورية، اندمجتُ في أزمة السير، ووعدتكِ أنْ أهديكِ قلبي إنْ خرجتُ به سالماً، لكني احتفظت به، والآن يبدو أنك تأكدتِ أنّي كنتُ رجلاً يثرثر لقتل الوقت في أزمة السير.
أنا في عمّان، عدتُ على متن الطائرة المتمهّلة لأتفقّدَ مقاعدي على شرفات وسط البلد. ذهبتُ مبكراً إلى المواعيد المتأخّرة في شارع الرينبو، وجلستُ “مريضاً بطول البال” بانتظار “زياد العناني”، شربتُ ألبان جرش، وتمراً هندياً، ووقفتُ بكل طقوس الجوع أمام مطعم فؤاد، واشتريتُ ديواناً خفيفاً لنزار قبّاني، وصورة من الكرتون المقوّى لـ”سمر سامي”، ومن عربة ثابتة، انتقيتُ اسطوانة “رسالة من تحت الماء”؛ أعرفُ أنّي خُدعتُ، فالأسطوانة قد تكون فارغة أو غير مكتملة، وأعرفُ أيضاً أنّي أغرقُ في وسط المدينة، أغرقُ من رأس كهل قبل الأربعين، حتى قدميّ مراهق قبل الأربعين.
أعطى جهاز الكمبيوتر إشارة لأخي أنّ شخصاً غريباً تسلّل إليه في غيابه، ولمّا عدتُ إلى السيّارة المستأجرة، كانت مخالفة ملصقة على الزجاج في بند “كن أديباً”. في مطار الملكة علياء كان النداء الأخير يستعجلني: على المسافر “نادر علي سليم” سرعة التوجه إلى البوابة رقم اثنين وعشرين، إلى الطائرة المستعجلة، المتوجِّهة نحو الجنوب الحار. عرضتُ على جاري في الطائرة أنْ يأخذ مكاني بجانب الشبّاك، وجلستُ على طرف الممرِّ: فلا قلبُ الكهل يحتملُ النظر، ولا عين المراهق تغض البصر.

التعليق